أنفسكم منزلا نزلا ، كما يقال : جاء زيد مشيا أي : ماشيا . والقولان جميعا يرجعان
إلى كونه مصدرا . وقال أبو علي : نزلا يحتمل ضربين أحدهما : أن يكون جمع
نازل ، كقوله :
إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا ، أو تنزلون ، فإنا معشر نزل
ويكون حالا من الضمير في تدعون أي . ما تدعون من غفور رحيم نازلين .
والآخر : أن يراد به القوت الذي يقام للنازل ، أو الضيف ، حالا مما تدعون أي :
لكم ما تدعون نزلا . ( من غفور رحيم ) : صفة نزل ، وفيه ضمير يعود إليه .
( وقولا ) : نصب على التفسير . وقوله ( ولا السيئة ) : لا هاهنا زائدة مؤكدة لتبعيد
المساواة .
المعنى : ثم حكى سبحانه أن الملائكة تقول للمؤمنين الذين استقاموا بعد
البشارة : ( نحن أولياؤكم ) أي : نحن معاشر الملائكة أنصاركم وأحباؤكم ( في الحياة
الدنيا ) نتولى إيصال الخيرات إليكم من قبل الله تعالى ( وفي الآخرة ) فلا نفارقكم
حتى ندخلكم الجنة ، عن مجاهد . وقيل : كنا نتولى حفظكم في الدنيا بأنواع
المعونة ، وفي الآخرة نتولاكم بأنواع الإكرام والمثوبة . وقيل : نحن أولياؤكم في
الحياة الدنيا أي : نحرسكم في الدنيا ، وعند الموت ، وفي الآخرة ، عن أبي
جعفر عليه السلام . ( ولكم فيها ) أي : في الآخرة ( ما تشتهي أنفسكم ) من الملاذ ،
وتتمنونه من المنافع ( ولكم فيها ما تدعون ) أنه لكم . فإن الله سبحانه يحكم لكم
بذلك . وقيل . إن المراد بقوله ( ما تشتهي أنفسكم ) البقاء ، لأنهم كانوا يشتهون
البقاء في الدنيا . أي : لكم فيها ما كنتم تشتهون من البقاء ، ولكم فيها ما كنتم
تتمنونه من النعيم ، عن ابن زيد .
( نزلا من غفور رحيم ) معناه : إن هذا الموعود به ، مع جلالته في نفسه ، له
جلالة بمعطيه إذ هو عطاء لكم ، ورزق يجري عليكم ممن يغفر الذنوب ، ويستر
العيوب ، رحمة منه لعباده ، فهو أهنأ لكم ، وأكمل لسروركم . قال الحسن : أرادوا
أن جميع ذلك من الله ، وليس منا . وفي هذه الآية بشارة للمؤمنين بمودة الملائكة
لهم . وفيها بشارة بنيل مشتهياتهم في الجنة . وفيها دلالة على أن الملائكة تتردد إلى
من كان مستقيما على الطاعات ، وعلى شرف الاستقامة أيضا تتولى الملائكة صاحبها
من أجلها .
تفسير مجمع البيان — صفحة 22
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٢٢