يا صاح ! هل تعرف رسما مكرسا ؟ قال : نعم أعرفه ، وأبلسا ( 1 )
والحبرة : المسرة ، ومنه الحبر العالم . والحبر : الجمال . وفي الحديث :
( يخرج رجل من النار ذهب حبره وسبره ) أي : جماله وسحناؤه . والتحبير : التحسين
الذي يسر به وخص ذكر الروضة ها هنا لأنه ليس عند العرب شئ أحسن منها . قال
الأعشى :
ما روضة من رياض الحزن معشبة خضراء جاد عليها مسبل هطل ( 2 )
يضاحك الشمس منها كوكب شرق موزر بعميم النبت ، مكتهل ( 3 )
يوما بأطيب منها نشر رائحة ، ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل ( 4 )
الاعراب : ( ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون ) : يوم ظرف ليتفرقون ، ويومئذ
بدل عنه وموضع الكاف من ( كذلك ) نصب بقوله ( يخرجون ) .
المعنى : ثم ذكر سبحانه قدرته على الإعادة فقال : ( الله يبدؤا الخلق ثم
يعيده ) أي : يخلقهم ابتداء ، ثم يعيدهم بعد الموت أحياء ، كما كانوا . ( ثم إليه
يرجعون ، فيجازيهم بأعمالهم ( ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون ) أي : يوم تقوم
القيامة ييأس الكافرون من رحمة الله تعالى ، ونعمه التي يفيضها على المؤمنين .
وقيل : يتحيرون ، وتنقطع حججهم بظهور جلائل آيات الآخرة التي يقع عندها علم
الضرورة . ( ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء ) أي : لم يكن لهم من أوثانهم التي
هامش
( 1 ) المكرس : الذي صار فيه الكرس - بالكسر - ، وهو الأبوال والأبعار . وأبلس : سكت غما .
( 2 ) الأبيات من قصيدة معروفة له ، واعتبرها بعض من المعلقات وأولها
ودع هريرة إن الركب مرتحل ، وهل تطيق وداعا أيها الرجل
( ما روضة ) ( ما ) نافية و ( روضة ) اسمها و ( بأطيب ) في البيت الثالث خبرها والحزن : ما غلظ من
الأرض واختص رياض الحزن لأنها أحسن من رياض الخفوض ، والمعشبة : ذات العشب .
والمسبل الهطل : المطر المتواتر .
( 3 ) ( يضاحك الشمس ) أي : يدور معها حيثما دارت ، والمراد من الكواكب هنا الزهر . وقيل :
الكواكب معظم النبات . والشرق : الريان الممتلئ ماء . والمؤزر : الذي صار النبت كالإزار
له . والعميم : النبت الكثيف الحسن . واكتهل النبت : طال وانتهى منتهاه
( 4 ) الأصل - بضمتين - جمع الأصيل ، والأصيل من العصر : العشاء ، وإنما خص هذا الوقت لأن
النبات يكون فيه أحسن ما يكون لتباعد الشمس والفئ عنه . و ( نشر رائحة ) : منصوب على
التمييز . وقيل : على البيان ، وإن كان مضافا لأن المضاف إلى النكرة نكرة .