( سؤال ) : قالوا كيف يعلم المتفكر في نفسه أن الله سبحانه لم يخلق شيئا إلا
بالحق ؟ وكيف يعلم الآخرة ؟ ( جواب ) : قلنا إذا علم بالنظر في نفسه أنه محدث
مخلوق ، وأن له محدثا قديما ، قادرا عالما حيا ، وأنه لا يفعل القبيح ، وأنه حكيم ،
علم أنه لم يخلقه عبثا ، وإنما خلقه لغرض ، وهو التعريض للثواب ، وذلك لا يتم إلا
بالتكليف ، فلا بد إذا من الجزاء . فإذا لم يوجد في الدنيا ، فلا بد من دار أخرى
يجازى فيها . ويعلم إذا خلق ما لا ينتفع بنفسه ، فلا بد أن يكون الغرض أن ينتفع
الحي به .
( وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون ) أي : بلقاء جزاء ربهم ،
وبالبعث ، وبيوم القيامة ، لجاحدون غير معترفين ، ثم نبههم سبحانه دفعة أخرى
فقال : ( أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ) من الأمم
( كانوا أشد منهم قوة ) فهلكوا وبادوا ، فيعتبروا بهم لعلمهم أنهم أهلكوا بتكذيبهم .
( وأثاروا الأرض ) أي : وقلبوها وحرثوها بعمارتها ، عن مجاهد . ( وعمروها أكثر
مما عمروها ) أي : أكثر مما عمرها هؤلاء الكفار ، لأنهم كانوا أكثر أموالا ، وأطول
أعمارا ، وأكثر أعدادا ، فحفروا الأنهار ، وغرسوا الأشجار ، وبنوا الدور ، وشيدوا
القصور ، ثم تركوها ، وصاروا إلى القبور ، وإلى الهلاك والثبور .
( وجاءتهم رسلهم بالبينات ) أي : أتتهم رسلهم بالدلالات من عند الله . وفي
الكلام حذف تقديره : فجحدوا الرسل ، وكذبوا بتلك الرسل ، فأهلكهم الله بالعذاب
( فما كان الله ليظلمهم ) بأن يهلكهم من غير استحقاق ( ولكن كانوا أنفسهم
يظلمون ) بأن جحدوا رسل الله ، وأشركوا معه في العبادة سواه ، حتى استحقوا
العذاب عاجلا وآجلا . ( ثم كان عاقبة الذين أساؤوا ) إلى نفوسهم بالكفر بالله ،
وتكذيب رسله ، وارتكاب معاصيه ( السوأى ) أي : الخلة التي تسوء صاحبها إذا
أدركها ، وهي عذاب النار ، عن ابن عباس ، وقتادة ( أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها
يستهزؤون ) أي : لتكذيبهم بآيات الله ، واستهزائهم بها .
( الله يبدؤا الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون ( 11 ) ويوم تقوم الساعة
يبلس المجرمون ( 12 ) ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء وكانوا بشركائهم
تفسير مجمع البيان — صفحة 47
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٤٧