القراءة : قرأ أهل الكوفة ، غير البرجمي والشموني عن أبي بكر : ( عاقبة )
بالنصب . والباقون بالرفع .
الحجة : قال أبو علي : من نصب عاقبة جعلها خبر كان ، ونصبها متقدمة ، كما
قال : ( وكان حقا علينا نصر المؤمنين ) . فأما اسمها على هذه القراءة ، فيجوز أن
يكون أحد الشيئين السوأى عاقبة الذين أساءوا ويكون أن كذبوا مفعولا له أي : لأن
كذبوا . ولا يجوز أن يكون كذبوا متعلقا بقوله ( أساءوا ) على هذا ، لأنك تفصل بين
الصلة والموصول باسم كان ، أو يكون إن كذبوا اسم كان ، والتقدير ثم كان التكذيب
عاقبة الذين أساءوا ويكون السوأى على هذا مصدرا لأساؤوا ، لأن فعلى من أبنية
المصادر ، كالرجعي ، والشورى ، ويدل على أن السوأى والسوء بمنزلة المصدر ، ما
أنشده أبو عمرو :
أنى جزوا عامرا سوءا بفعلهم ، أم كيف يجزونني السوأى من الحسن
ومن رفع عاقبة جاز أن يكون الخبر أحد الشيئين السوأى وان كذبوا . كما جاز
في النصب أن يكون كل واحد منهما الاسم . ومعنى الذين أساءوا : الذين أشركوا ،
والتقدير : ثم كان عاقبة المسئ التكذيب بآيات الله أي : لم يظفر في كفره وشركه
بشئ إلا بالتكذيب . وإذا جعلت كذبوا نفس الخبر ، جعلت السوأى في موضع نصب
بأنه مصدر ، وقد يجوز أن يكون السوأى صفة لموصوف محذوف ، كأنه قال الخلة
السوأى أو الخلال السوأى .
المعنى : ثم حث سبحانه على التفكر والتدبر فيما يدل على توحيده من خلق
السماوات والأرض ، ثم في أحوال القرون الخالية ، والأمم الماضية فقال : ( أولم
يتفكروا في أنفسهم ) أي : في حال الخلوة ، لأن في تلك الحالة يتمكن الانسان من
نفسه ، ويحضره ذهنه وقيل : معناه أو لم يتفكروا في خلق الله أنفسهم ، والمعنى : أو
لم يتفكروا فيعلموا . وحذف لأن في الكلام دليلا عليه . ( ما خلق الله السماوات
والأرض وما بينهما إلا بالحق ) قال الزجاج : معناه إلا للحق أي : لإقامة الحق ،
ومعناه للدلالة على الصانع ، والتعريض للثواب . ( وأجل مسمى ) أي : ولوقت
معلوم توفى فيه كل نفس ما كسبت . وقيل : معناه خلقها في أوقات قدرها اقتضت
المصلحة خلقها فيها ، ولم يخلقها عبثا ، عن الجبائي .
تفسير مجمع البيان — صفحة 46
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٤٦