ثم قال سبحانه : ( رب السماوات والأرض ) أي : خالقهما ومدبرهما ( وما
بينهما ) من سائر الأجناس من الحيوان ، والنبات ، والجماد . ( ورب المشارق )
وهي مشارق الشمس أي : مطالعها بعدد أيام السنة ، ثلاثمائة وستون مشرقا ،
والمغارب مثل ذلك ، تطلع الشمس كل يوم من مشرق ، وتغرب في مغرب ، عن ابن
عباس ، والسدي . وإنما خصن المشارق بالذكر ، لان الشروق قبل الغروب .
( إنا زينا السماء الدنيا ) يعني التي هي أقرب السماوات إلينا . وإنما خصها
بالذكر لاختصاصها بالمشاهدة . ( بزينة الكواكب ) أي : بحسنها وضوئها .
والتزيين : تحسين الشئ ، وجعله على صورة تميل إليها النفس . فالله سبحانه زين
السماء على وجه تمتع الرائي لها . وفي ذلك أعظم النعمة على العباد ، مع ما لهم من
المنفعة بالتفكير فيها ، والاستدلال بها على صانعها .
( وحفظا من كل شيطان ) أي : وحفظناها من كل شيطان ( مارد ) أي : خبيث
خال من الخير ، متمرد . والمعنى . وحفظناها من دنو كل شيطان للاستماع ، فإنهم
كانوا يسترقون السمع ، يستمعون إلى كلام الملائكة ، ويقولون ذلك إلى ضعفة
الجن ، وكانوا يوسوسون بها في قلوب الكهنة ، ويوهمونهم أنهم يعرفون الغيب ،
فمنعهم الله تعالى عن ذلك .
( لا يسمعون إلى الملا الأعلى ) أي : لكيلا يتسمعوا إلى الكتبة من الملائكة
في السماء ، عن الكلبي . وقيل : إلى كلام الملا الأعلى أي . لكيلا يتسمعوا .
والملا الأعلى عبارة عن الملائكة لأنهم في السماء . ( ويقذفون من كل جانب )
أي : يرمون بالشهب من كل جانب من جوانب السماء ، إذا أرادوا الصعود إلى السماء
للاستماع .
( دحورا ) أي : دفعا لهم بالعنف ، وطردا . ( ولهم عذاب واصب ) أي :
ولهم مع ذلك أيضا عذاب دائم يوم القيامة ( إلا من خطف الخطفة ) والتقدير : لا
يستمعون إلى الملائكة إلا من وثب الوثبة إلى قريب من السماء ، فاختلس خلسة من
الملائكة ، واستلب استلابا بسرعة . ( فأتبعه شهاب ثاقب ) أي : فلحقه وأصابه نار
مضيئة محرقة . والثاقب : المنير المضئ . وهذا كقوله : ( إلا من استرق السمع
فأتبعه شهاب مبين ) .
تفسير مجمع البيان — صفحة 297
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٢٩٧