وبعض بني عقيل يقولون لاتب أيضا بالتاء . والداخر : الصاغر أشد الصغر .
المعنى : ثم خاطب سبحانه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فقال : ( فاستفتهم ) أي : فاسألهم يا
محمد سؤال تقرير ( أهم أشد خلقا ) أي : أحكم صنعا ( أم من خلقنا ) قبلهم من
الأمم الماضية ، والقرون السالفة ، يريد أنهم ليسوا بأحكم خلقا من غيرهم من
الأمم ، وقد أهلكناهم بالعذاب . وقيل : أهم أشد خلقا أم من خلقنا من الملائكة ،
والسماوات ، والأرض . وغلب ما يعقل على ما لا يعقل . ( إنا خلقناهم من طين
لازب ) معناه : إنهم إن قالوا نحن أشد فأعلمهم أن الله خلقهم من طين ، فكيف
صاروا أشد قوة منهم . والمراد أن آدم خلقه الله من طين ، وأن هؤلاء نسله وذريته ،
فكأنهم منه . وقال ابن عباس : اللازب الملتصق من الطين الحر الجيد .
( بل عجبت ) يا محمد من تكذيبهم إياك ( و ) هم ( يسخرون ) من تعجبك .
ومن ضم التاء فالمراد أنه سبحانه أمر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يخبر عن نفسه بأنه عجب من هذا
القرآن حين أعطيه ، وسخر منه أهل الضلال ، وتقديره : قل بل عجبت ، عن
المبرد . وقيل : يسخرون أي : يهزأون بدعائك إياهم إلى الله ، والنظر في دلائله
وآياته . وروي عن الأعمش ، عن أبي وائل قال : قرأ عبد الله بن مسعود ( بل
عجبت ) بالضم ، فقال شريح : إن الله لا يعجب ، إنما يعجب من لا يعلم . قال
الأعمش : فذكرته لإبراهيم فقال . إن شريحا كان معجبا برأيه . إن عبد الله قرأ ( بل
عجبت ) ، وعبد الله أعلم من شريح . وإضافة العجب إلى الله تعالى ورد الخبر به
كقوله : " عجب ربكم من شباب ليس له صبوة وعجب ربكم من إلكم وقنوطكم " ( 1 ) .
ويكون ذلك على وجهين . عجب مما يرضى ، ومعناه الاستحسان ، والخبر عن تمام
الرضى ، وعجب مما يكره ، ومعناه الانكار له والذم .
( وإذا ذكروا لا يذكرون ) أي : وإذا خوفوا بالله ، ووعظوا بالقرآن ، لا ينتفعون
بذلك ، ولا يتعظون به . ( وإذا رأوا آية ) من آيات الله ، ومعجزة مثل انشقاق
القمر ، وغيرها . ( يستسخرون ) أي : يستهزؤون ويقولون : هذا عمل السحر .
وسخر واستسخر بمعنى واحد . وقيل : معناه يستدعي بعضهم بعضا إلى إظهار
هامش
( 1 ) قال ابن الأثير الصبوة : الميل إلى الهوى وقال في ( ألل ) في الحديث : " عجب ربكم من إلكم
وقنوطكم " الال : شدة القنوط . ويجوز أن يكون من رفع الصوت بالبكاء . وقال أبو عبيدة :
المحدثون يروونه بكسر الهمزة ، والمحفوظ عند أهل اللغة الفتح ، وهو أشبه بالمصادر .