المعنى : ( والصافات صفا ) اختلف في معنى الصافات على وجوه أحدها :
إنها الملائكة تصف أنفسها صفوفا في السماء ، كصفوف المؤمنين في الصلاة ، عن
ابن عباس ، ومسروق ، والحسن ، وقتادة ، والسدي . وثانيها : إنها الملائكة تصف
أجنحتها في الهواء إذا أرادت النزول إلى الأرض ، واقفة تنتظر ما يأمرها الله تعالى ،
عن الجبائي . وثالثها : إنهم جماعة من المؤمنين يقومون مصطفين في الصلاة ، وفي
الجهاد ، عن أبي مسلم .
( فالزاجرات زجرا ) اختلف فيها أيضا على وجوه أحدها : إنها الملائكة تزجر
الخلق عن المعاصي زجرا ، عن السدي ، ومجاهد . وعلى هذا فإنه يوصل الله
مفهومه إلى قلوب العباد ، كما يوصل مفهوم إغواء الشيطان إلى قلوبهم ، ليصح
التكليف وثانيها : إنها الملائكة الموكلة بالسحاب ، تزجرها وتسوقها ، عن الجبائي
وثالثها : إنها زواجر القرآن وآياته الناهية عن القبائح ، عن قتادة . ورابعها : إنهم
المؤمنون يرفعون أصواتهم عند قراءة القرآن ، لان الزجرة الصيحة ، عن أبي مسلم .
( فالتاليات ذكرا ) اختلف فيها أيضا على أقوال أحدها . إنها الملائكة تقرأ كتب
الله تعالى ، والذكر الذي ينزل على الموحى إليه ، عن مجاهد ، والسدي وثانيها :
إنها الملائكة تتلو كتاب الله الذي كتبه لملائكته ، وفيه ذكر الحوادث ، فتزداد يقينا
بوجود المخبر على وفق الخبر . وثالثها : جماعة قراء القرآن من المؤمنين ، يتلونه في
الصلاة ، عن أبي مسلم . وإنما لم يقل فالتاليات تلوا ، كما قال ( فالزاجرات
زجرا ) ، لان التالي قد يكون بمعنى التابع ، ومنه قوله ( والقمر إذا تلاها ) . فلما كان
اللفظ مشتركا ، بينه بما يزيل الإبهام .
( إن إلهكم لواحد ) وهذه أقسام أقسم الله تعالى بها ، أنه واحد ليس له
شريك . ثم اختلف في مثل هذه الأقسام فقيل : إنها أقسام بالله تعالى على تقدير :
ورب الصافات ، ورب الزاجرات ، ورب التين والزيتون ، لان في القسم تعظيما
للمقسم به ، ولأنه يجب على العباد أن لا يقسموا إلا بالله تعالى ، إلا أنه حذف لان
حجج العقول دالة على المحذوف ، عن الجبائي ، والقاضي . وقيل : بل أقسم الله
سبحانه بهذه الأشياء ، وإنما جاز ذلك لأنه ينبئ عن تعظيمها بما فيها من الدلالة على
توحيده ، وصفاته العلى ، فله سبحانه أن يقسم بما شاء من خلقه ، وليس لخلقه أن
يقسموا إلا به .
تفسير مجمع البيان — صفحة 296
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٢٩٦