من أمروا بتوفيه ، ونظيره قوله ( وكل شئ عنده بمقدار ) .
المعنى ثم زاد سبحانه في بيان كمال قدرته فقال : ( وهو القاهر فوق عباده )
معناه : والله المقتدر المستعلي على عباده ، الذي هو فوقهم ، لا بمعنى أنه في مكان
مرتفع فوقهم ، وفوق مكانهم ، لأن ذلك من صفة الأجسام ؟ والله تعالى منزه عن
ذلك ، ومثله في اللغة أمر فلان فوق أمر فلان ، أي هو أعلى أمرا ، وأنفذ حكما ،
ومثله قوله : ( يد الله فوق أيديهم ) : فالمراد به أنه أقوى وأقدر منهم ، وأنه القاهر
لهم ، ويقال : هو فوقه في العلم أي : أعلم منه ، وفوقه في الجود أي ؟ أجود ، فعبر
عن تلك الزيادة بهذه العبارة للبيان عنها .
( ويرسل عليكم حفظة ) عطف على صلة الألف واللام في ( القاهر )
وتقديره : وهو الذي يقهر عباده ، ويرسل عليكم حفظة أي : ملائكة يحفظون
أعمالكم ، يحصونها عليكم ، ويكتبونها . وفي هذا لطف للعباد لينزجروا عن
المعاصي إذا علموا أن عليهم حفظة من عند الله ، يشهدون بها عليهم يوم القيامة
( حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته ) أي : تقبض روحه .
( رسلنا ) يعني : أعوان ملك الموت ، عن بن عباس ، والحسن ، وقتادة ،
قالوا . وإنما يقبضون الأرواح بأمره ، ولذلك أضاف التوفي إليه في قوله : ( قل
يتوفاكم ملك الموت ) . وقال الزجاج يريد بالرسل : هؤلاء الحفظة ، فيكون المعنى :
يرسلهم للحفظ في الحياة ، والتوفية عند مجئ الممات ، وحتى هذه هي التي تقع
بعدها الجملة .
( وهم لا يفرطون ) أي : لا يضيعون ، عن ابن عباس ، والسدي . وقيل : لا
يغفلون ، ولا يتوانون ، عن الزجاج . وقال معنى التفريط تقدمة العجز ، فالمعنى
أنهم لا يعجزون ،
ثم بين سبحانه أن هؤلاء الذين تتوفاهم رسله ، يرجعون إليه فقال ( ثم ردوا إلى
الله ) أي : إلى الموضع الذي لا يملك الحكم فيه إلا هو ( مولاهم الحق ) قد مر معناه
عند قوله : ( أنت مولانا ) والحق : اسم من أسماء الله تعالى ، واختلف في معناه ،
فقيل : المعنى أن أمره كله حق لا يشوبه باطل ، وجد لا يجاوره هزل ، فيكون مصدرا
وصف به نحو قولهم : رجل عدل ، وفي قول زهير :
تفسير مجمع البيان — صفحة 74
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٧٤