المحفوظ ، ولم يكتبها في اللوح المحفوظ ليحفظها ويدرسها ، فإنه كان عالما بها قبل
أن كتبها ، ولكن ليعارض الملائكة الحوادث على ممر الأيام با لمكتوب فيه ، فيجدونها
موافقة للمكتوب فيه ، فيزدادون علما ويقينا بصفات الله تعالى ، وأيضا فإن المكلف
إذا علم أن أعماله مكتوبة في اللوح المحفوظ ، تطالعها الملائكة ، قويت دواعيه إلى
الأفعال الحسنة ، وترك القبائح .
وقال الحسن . هذا توكيد في الزجر عن المعاصي ، والحث على البر ، لأن
هذه الأشياء التي لا ثواب فيها ، ولا عقاب ، إذا كانت محصاة عند ه ، محفوظة ،
فالأعمال التي فيها الثواب والعقاب أولى بالحفظ . وقيل : إن قوله ( في كتاب
مبين ) : معناه أنه محفوظ غير منسي ، ولا مغفول عنه ، كما يقول القائل لغيره : ما
تصنعه عندي مسطور مكتوب ، إنما يريد بذلك أنه حافظ له ، يريد مكافأته عليه ،
وأنشد ( إن لسلمى عندنا ديوانا ) ، عن البلخي . قال الجرجاني صاحب النظم تم
الكلام عند قوله . ( ولا يابس ) ، ثم استأنف خبرا آخر بقوله : ( إلا في كتاب مبين )
يعني وهو في كتاب مبين أيضا ، لأنك لو جعلت قوله ( إلا في كتاب مبين ) متصلا
بالكلام الأول ، لفسد المعنى ، ولما نبه سبحانه بهذه الآية على أنه عالم لذاته من
حيث إنه لو كان عالما بعلم لوجب أحد ثلاثة أشياء كلها فاسدة ؟ إما أن يكون له علوم
غير متناهية وإما أن يكون معلوماته متناهية ، أو يتعلق علم واحد بمعلومات غير
متناهية ، وكلها باطل بالدليل نبه ( ا ) في الآية التي تليها ، على أنه قادر لذاته من حيث إنه
قادر على الإحياء والإماتة ، فقال :
( وهو الذي يتوفاكم بالليل ) أي : يقبض أرواحكم عن التصرف ، عن ا بن
عباس ، وغيره ، واختاره علي بن عيسى . وقيل ؟ معناه يقبضكم بالنوم ، كما يقبضكم
بالموت ، فيكون كقوله ( الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها ) الآية . عن الزجاج ، والجبائي . ( ويعلم ما جرحتم بالنهار ) أي : ما كسبتم من
الأعمال على التفصيل بالنهار ، على كثرته وكثرتكم . وفيه إشارة إلى رحمته ، حيث
يعلم مخالفتهم إياه ، ثم لا يعاجلهم بعقوبة . ولا يمنعهم فضله ورحمته .
( ثم يبعثكم فيه ) أي : ينبهكم من نومكم في النهار ، عن الزجاج ،
هامش
( 1 ) جواب لما .