تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مجمع البيان — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩
ذنوبهم المجرمون ) ، ( فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان ) وقوله : ( فلنسألن الذين أرسل إليهم ) ( فوربك لنسألنهم أجمعين ) ؟ والجواب عنه في وجوه أحدها : إنه سبحانه نفى أن يسألهم سؤال استرشاد واستعلام ، وإنما يسألهم سؤال تبكيت وتقريع ، ولذلك قال عقيبه : ( يعرف المجرمون بسيماهم ) وسؤال الاستعلام مثل قولك : أين زيد ؟ ومن عندك ؟ وهذا لا يجوز على الله سبحانه . وسؤال التوبيخ والتقريع كمن يقول : ألم أحسن إليك فكفرت نعمتي ؟ ومنه قوله : ( ألم أعهد إليكم يا بني آدم ) ( ألم تكن آياتي تتلى عليكم ) وكقول الشاعر : ( أطربا وأنت قنسري ) أي كبير السن . وهذا توبيخ منه لنفسه ، أي : كيف أطرب مع الكبر والشيب . وقد يكون السؤال للتقرير ، كقول الشاعر : ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح ( 1 ) أي : أنتم كذلك ، وفي ضده قوله ( وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر ) ( 2 ) أي : لا يصلح وأما سؤال المرسلين ، فليس بتقريع ولا توبيخ لهم ، ولكنه توبيخ للكفار ، وتقريع لهم وثانيها : إنهم إنما يسألون يوم القيامة ، كما قال : ( وقفوهم إنهم مسؤولون ) ثم تنقطع مسألتهم عند حصولهم في العقوبة ، وعند دخولهم النار ، فلا تنافي بين الخبرين ، بل هو إثبات للسؤال في وقت ، ونفي له في وقت آخر . وثالثها : إن في القيامة مواقف ، ففي بعضها يسأل ، وفي بعضها لا يسأل ، فلا تضاد بين الآيات . وأما الجمع بين قوله ( فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون ) وقوله ( وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ) فهو : إن الأول معناه لا يسأل بعضهم بعضا سؤال استخبار عن الحال التي جهلها بعضهم ، لتشاغلهم عن ذلك ، ولكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه . والثاني معناه يسأل بعضهم بعضا سؤال تلاوم وتوبيخ كما قال في موضع آخر : ( يتلاومون ) وكقوله ( أنحن صددناكم عن الهدى ) الآية . ومثل ذلك كثير في القرآن . ثم بين سبحانه ما ذكرناه ، ومن أنه لا يسألهم سؤال استعلام بقوله ( فلنقصن عليهم ) أي : لنخبرنهم بجميع أفعالهم ليعلموا أن أعمالهم كانت محفوظة ، وليعلم
هامش
( 1 ) المطايا جمع المطية : الدابة . الأندى أفعل التفضيل من الندى وهو الجود . الراح جمع الراحة : الكف . والبيت لجرير . ( 2 ) أوله ( تروح إلى العطار تبغي شبابها ) . وقيل : ( تصلح شأنها ) .