تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مجمع البيان — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
يقول الأمير للمبارز من عسكره : جعلت فلانا قرنك في المبارزة ، وإنما يعني بذلك أنه أمره بمبارزته ، لأنه إذا أمره بمبارزته ، فقد جعل من يبارزه قرنا له . وثانيها : إن معناه حكمنا بأنهم أعداء ، وأخبرنا بذلك لتعاملوهم معاملة الأعداء في الاحتراز عنهم ، والاستعداد لدفع شرهم ، وهذا كما يقال : جعل القاضي فلانا عدلا ، وفلانا فاسقا ، إذا حكم بعدالة هذا ، وفسق ذلك ، وثالثها : إن المراد خلينا بينهم وبين اختيارهم العداوة لم نمنعهم عن ذلك كرها ، ولا جبرا ، لأن ذلك يزيل التكليف . ورابعها : إنه سبحانه إنما أضاف ذلك إلى نفسه ، لأنه سبحانه لما أرسل إليهم الرسل ، وأمرهم بدعائهم إلى الاسلام ، والإيمان ، وخلع ما كانوا يعبدونه من الأصنام والأوثان ، نصبوا عند ذلك العداوة لأنبيائه عليهم السلام . ومثله قوله سبحانه مخبرا عن نوح عليه السلام : ( فلم يزدهم دعائي إلا قرارا ) والمراد بشياطين الإنس والجن : مردة الكفار من الفريقين ، عن الحسن ، وقتادة ، ومجاهد . وقيل : إن شياطين الإنس الذين يغوونهم ، وشياطين الجن الذين هم من ولد إبليس ، عن السدي ، وعكرمة . وفي تفسير الكلبي عن ابن عباس أن إبليس جعل جنده فريقين ، فبعث فريقا منهم إلى الإنس ، وفريقا إلى الجن فشياطين الإنس والجن أعداء الرسل والمؤمنين ، فيلتقي شياطين الإنس وشياطين الجن ، في كل حين ، فيقول بعضهم لبعض أضللت صاحبي بكذا ، فأضل صاحبك بمثلها ، فكذلك يوحي بعضهم إلى بعض . وروي عن أبي جعفر عليه السلام أيضا أنه قال : إن الشياطين يلقى بعضهم بعضا ، فيلقي إليه ما يغوي به الخلق حتى يتعلم بعضهم من بعض ( يوحي ) أي يوسوس ويلقي خفية ( بعضهم إلى بعض زخرف القول ) أي المموه المزين الذي يستحسن ظاهره ، ولا حقيقة له ، ولا أصل ( غرورا ) أي : يغرونهم بذلك غرورا ، أو ليغروهم بذلك ( ولو شاء ربك ما فعلوه ) أخبر سبحانه أنه لو شاء أن يمنعهم من ذلك جبرا ، ويحول بينهم وبينه ، لقدر على ذلك ، ولو حال بينهم وبينه ، لما فعلوه ، ولكنه خلى بينهم وبين أفعالهم إبقاء للتكليف ، وامتحانا للمكلفين . وقيل : معناه ولو شاء ربك ما فعلوه بأن ينزل عليهم عذابا ، أو آية ، فتظل أعناقهم لها خاضعين ( فذرهم وما يفترون ) أي : دعهم وافتراءهم الكذب ، فإني أجازيهم وأعاقبهم . أمر سبحانه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأن يخلي بينهم وبين ما اختاروه ، ولا يمنعهم منه بالقهر ، تهديدا لهم ، كما قال اعملوا ما شئتم دون أن يكون أمرا واجبا ،