أن يرتفعا باستحق ، ويكون معناهما : الأوليان باليمين ، أي : بأن يحلفا من يشهد
بعدهما ، فإن جاز شهادة النصرانيين ، كان الأوليان على هذا القول النصرانيين ،
والآخران من غير أهل بيت الميت .
وقال أبو علي : لا يخلو ارتفاعه من أن يكون على الابتداء ، وقد أخر كأنه في
التقدير : فالأوليان بأمر الميت آخران من أهله ، أو من أهل دينه يقومان مقام الخائنين
اللذين عثر على خيانتهما ، كقولهم تميمي أنا ، أو يكون خبر مبتدأ محذوف ، كأنه
قال : فآخران يقومان مقامهما هما الأوليان ، أو يكون بدلا من الضمير الذي في
يقومان ، أو يكون مسندا إليه استحق .
وقد أجاز أبو الحسن فيه شيئا آخر ، وهو أن يكون الأوليان صفة لقوله فآخران
من غيركم ، لأنه لما وصف آخران ، اختص فوصف لأجل الاختصاص الذي صار له
مما يوصف به المعارف ، ومعنى الأوليان : الأوليان بالشهادة على وصية الميت ، وإنما
كانا أولى به ممن اتهم بالخيانة ، لأنهما أعرف بأحوال الميت وأموره ، ولأنهما من
المسلمين ، ألا ترى أن وصفهم بأنه ( استحق عليهم ) يدل على أنهم مسلمون ،
لان الخطاب من أول الآية مصروف إليهم ؟
فأما ما يسند إليه استحق فلا يخلو من أن يكون الايصاء ، والوصية ، أو
الاثم ، أو الجار والمجرور ، وإنما جاز ( استحق الاثم ) ، لان أخذه بأخذه إثم ،
فسمي إثما ، كما سمي ما يؤخذ منا بغير حق مظلمة . قال سيبويه ، المظلمة : اسم
ما أخذ منك ، فلذلك سمي هذا المأخوذ باسم المصدر .
فأما قوله : عليهم فيحتمل ثلاثة أضرب : أحدها : أن يكون على فيه ، بمنزلة
قولك : استحق على زيد مال بالشهادة ، أي : لزمه ووجب عليه الخروج منه ، لأن
الشاهدين لما عثر على خيانتهما ، استحق عليهما ما ولياه من أمر الشهادة ، والقيام
بها ، ووجب عليهما الخروج منها ، وترك الولاية لها . فصار اخراجهما منها مستحقا
عليهما ، كما يستحق على المحكوم عليه الخروج مما وجب عليه ، هذا كلام أبي
علي .
وأقول : إن الظاهر أن ( الذين استحق عليهم ) في الآية ، ورثة الميت ،
والمفهوم من كلام أبي علي هذا ، أن الشاهدين اللذين من غيرنا ، هما المعنيان
بذلك ، على ما قرره . والذي يصح في نفسي أن التقدير من الذين استحقت عليهم
تفسير مجمع البيان — صفحة 442
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٤٤٢