تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مجمع البيان — صفحة 394

مساهمون:

ص٣٩٤
منصوبا على الاستثناء بمعنى لا تغلوا في دينكم إلا الحق ، فيكون ( الحق ) مستثنى من النهي عن الغلو فيه ، بأن يجوز الغلو فيما هو حق على معنى اتباعه . المعنى : لما قدم سبحانه ذكر مقالات النصارى ، عقبه بالرد عليهم والحجاج لهم ، فقال : ( ما المسيح بن مريم إلا رسول ) أي : ليس هو بإله ( قد خلت من قبله الرسل ) أي : كما أن الرسل الذين مضوا قبله ، ليسوا بآلهة ، وإن أتوا بالمعجزات الباهرات ، فكذلك المسيح . فمن ادعى له الإلهية ، فهو كمن ادعى لهم الإلهية لتساويهم في المنزلة ( وأمه صديقة ) لأنها تصدق بآيات ربها ، ومنزلة ولدها ، وتصدقه فيما أخبرها به ، بدلالة قوله ( وصدقت بكلمات ربها ) عن الحسن ، والجبائي ، وقيل : سميت صديقة لكثرة صدقها ، وعظم منزلتها فيما تصدق به من أمرها ( كانا يأكلان الطعام ) قيل فيه قولان أحدهما : إنه احتجاج على النصارى بأن من ولده النساء ، ويأكل الطعام ، لا يكون إلها للعباد ، لان سبيله سبيلهم في الحاجة إلى الصانع المدبر . والمعنى : إنهما كانا يعيشان بالغذاء ، كما يعيش سائر الخلق ، فكيف يكون إلها من لا يقيمه إلا أكل الطعام : وهذا معنى قول ابن عباس . والثاني : إن ذلك كناية عن قضاء الحاجة ، لأن من أكل الطعام ، لا بد له من الحدث ، فلما ذكر الأكل ، صار كأنه أخبر عن عاقبته ( أنظر كيف نبين لهم الآيات ) أمر سبحانه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأمته ، بأن يفكروا فيما بين تعالى من الآيات أي : الدلالات على بطلان ما اعتقدوه من ربوبية المسيح ، ثم أمر بأن ينظر ( ثم انظر أنى يؤفكون ) أي : كيف يصرفون عن الحق الذي يؤدي إليه تدبر الآيات . فالنظر الأول : إنما هو إلى فعله تعالى الجميل ، في نصب الآيات ، وإزاحة العلل . والنظر الثاني إلى أفعالهم القبيحة وتركهم التدبر للآيات ، ثم زاد تعالى في الاحتجاج عليهم فقال ( قل ) يا محمد ( أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا ) أي : أتوجهون عبادتكم إلى من لا يقدر لكم على النفع والضر ، لان القادر عليهما هو الله ، أو من يمكنه الله تعالى من ذلك ، والمستحق للعبادة إنما هو القادر على أصول النعم ، والنفع ، والضر ، والخلق ، والاحياء ، والرزق ، ولا يقدر على ذلك غير الله ، فلا يستحق العبادة سواه ( والله هو السميع ) لأقوالكم ( العليم ) بضمائركم وفي هذا تحذير من الجزاء ، واستدعاء إلى التوبة . ثم دعاهم إلى ترك الغلو فقال ( قل ) يا محمد للنصارى فإنهم المخاطبون هنا .
تفسير مجمع البيان — صفحة 394 | الشيخ الطبرسي / لجنة من العلماء والمحققين الأخصائيين