تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مجمع البيان — صفحة 392

مساهمون:

ص٣٩٢
من أنواع العذاب ، ثم أقسم تعالى قسما آخر فقال ( لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ) والقائلون بهذه المقالة جمهور النصارى من الملكانية ، واليعقوبية ، والنسطورية ، لأنهم يقولون : " ثلاثة أقاليم جوهر واحد : آب ، وابن ، وروح القدس ، إله واحد " ، ولا يقولون ثلاثة آلهة ، ويمنعون من هذه العبارة وإن كان يلزمهم أن يقولوا ثلاثة آلهة ، فصح أن يحكى عنهم بالعبارة اللازمة ، وإنما قلنا إنه يلزمهم ذلك ، لأنهم يقولون : الابن إله ، والأب إله ، وروح القدس إله . والابن ليس هو الأب ( وما من إله إلا إله واحد ) أي : ليس إله إلا إلها واحدا ، وإنما دخلت من للتوكيد ( وإن لم ينتهوا عما يقولون ) أي : وإن لم يرجعوا ويتوبوا عما يقولون من القول بالتثليث ، أقسم ( ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم ) وإنما خص سبحانه ( 1 ) الذين يستمرون على كفرهم ، لأنه علم أن بعضهم يؤمن ، عن أبي علي الجبائي ، والزجاج . وقيل : إنه عم بقوله ( الذي كفروا ) الفريقين الذين قالوا : إن الله هو المسيح بن مريم ، والذين قالوا : إن الله هو ثالث ثلاثة ، والضمير عائد إلى أهل الكتاب . وليس في هذا دلالة على أن في أفعال الجوارح ما هو كفر ، لأنه إنما يتضمن أن من قال : إنه ثالث ثلاثة ، فهو كافر ، ولا خلاف في ذلك ، فإن من قال : إن الكفر هو الجحود بالقلب ، قال : إن في أفعال الجوارح ما يدل على الكفر الذي هو الجحود مثل هذه المقالة ، ومثل السجود للصنم ، وغير ذلك ، فلا دلالة في الآية على ما قالوه ( أفلا يتوبون إلى الله ) قال الفراء : هذا أمر في لفظ الاستفهام ، وقد يرد الامر بلفظ الاستفهام كقوله ( فهل أنتم منتهون ) وإنما دخلت ( إلى ) لان معنى التوبة الرجوع إلى طاعة الله ، لان التائب بمنزلة من ذهب عنها ، ثم عاد إليها ( ويستغفرونه ) الفرق بين التوبة والاستغفار أن الاستغفار : طلب المغفرة بالدعاء ، والتوبة ، أو غيرهما من الطاعة ، والتوبة الندم على المعصية مع العزم على أن لا يعود إلى مثلها في القبح . والاستغفار مع الإصرار على القبيح لا يصح ( والله غفور رحيم ) يغفر الذنوب ويسترها رحمة منه لعباده ، وفي هذه الآية تحريض على التوبة ، وحث على الاستغفار . ( ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه
هامش
( 1 ) [ منهم ] .