النظم أن هذا منتظم بقوله ( يوم يقوم الناس ) وان قوله ( كلا إن كتاب الفجار ) وما
اتصل به ، اعتراض بينهما . ثم فسر سبحانه المكذبين فقال : ( الذين يكذبون بيوم
الدين ) أي يوم الجزاء . فإن من كذب بالباطل لا يتوجه إليه الوعيد ، بل هو ممدوح .
ثم قال : ( وما يكذب به ) أي لا يكذب بيوم الجزاء ( إلا كل معتد ) أي متجاوز
للحق إلى الباطل ( أثيم ) كثير الإثم ، مبالغ في ارتكابه . ثم وصف المعتدي الأثيم
بقوله : ( إذا تتلى عليه آياتنا ) وهي القرآن ( قال أساطير الأولين ) أي أباطيل
الأولين . والتقدير : قال هذا أساطير الأولين أي ما سطره الأولون وكتبوه ، مما لا أصل
له .
( كلا ) لا يؤمنون . وقيل : ليس الأمر على ما قالوه : ثم استأنف ، فقال :
( بل ران على قلوبهم ) أي غلب عليها ( ما كانوا يكسبون ) والمعنى غلب ذنوبهم
على قلوبهم . وقيل : إن معنى الرين هو الذنب على الذنب حتى يموت القلب ، عن
الحسن وقتادة . وقال الفراء : كثرت المعاصي منهم والذنوب وأحاطت بقلوبهم ،
فذلك الرين عليها ، وعن عبد الله بن مسعود قال : إن الرجل ليذنب الذنب فتنكت
على قلبه نكتة سوداء ، ثم يذنب الذنب فتنكت نكتة أخرى ، حتى يصير قلبه على لون
الشاة السوداء . وروى العياشي بإسناده عن زرارة ، عن أبي جعفر ( ع ) قال : ما من
عبد مؤمن إلا وفي قلبه نكتة بيضاء ، فإذا أذنب ذنبا خرج في تلك النكتة نكتة سوداء ،
فإذا تاب ذهب ذلك السواد ، وإن تمادى في الذنوب ، زاد ذلك السواد حتى يغطي
البياض ، فإذا غطى البياض لم يرجع صاحبه إلى خير أبدا ، وهو قول الله تعالى ( كلا
بل ران على قلوبهم ) الآية . وقال أبو عبد الله ( ع ) : يصدأ القلب فإذا ذكرته بآلاء
الله انجلى عنه . وقال أبو مسلم : إن اعتيادهم الكفر ، وإلفتهم له ، وغفلتهم ، صار
غطاء على قلوبهم ، فلا يعقلون ما ينفعهم ، لأن ترك النظر في العواقب ، وكثرة
المعاصي ، والانهماك في الفسق ، يقوي الدواعي في الإعراض عن التوبة ، والايلاع
بالذنوب ، فصار ذلك كالغالب على القلوب الرائن عليها . وقال أبو القاسم البلخي :
وفي الآية دلالة على صحة ما يقوله أهل العدل في تفسير الطبع على القلوب ، والختم
عليها والإضلال لأنه تعالى - أخبر أن أعمالهم السيئة ، وما كانوا يكسبونه من القبيح ران
على قلوبهم .
( كلا ) يريد لا يصدقون ، عن ابن عباس . ثم استأنف ( إنهم عن ربهم يومئذ
تفسير مجمع البيان — صفحة 293
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٢٩٣