النزول : قيل : لما قدم رسول الله ( ص ) المدينة ، كانوا من أخبث الناس
كيلا ، فأنزل الله ، عز وجل : ( ويل للمطففين ) فأحسنوا الكيل بعد ذلك ، عن
عكرمة ، عن ابن عباس . وقيل : إنه ( ص ) قدم المدينة ، وبها رجل يقال له أبو
جهينة ، ومعه صاعان ، يكيل بأحدهما ، ويكتال بالآخر . فنزلت الآيات ، عن
السدي .
المعنى : ( ويل للمطففين ) وهم الذين ينقصون المكيال والميزان ، ويبخسون
الناس حقوقهم في الكيل والوزن . قال الزجاج : وإنما قيل له مطفف ، لأنه لا يكاد
يسرق في المكيال والميزان إلا الشئ اليسير الطفيف . ثم فسر المطففين فقال :
( الذين إذا اكتالوا على الناس ) أي إذا كالوا ما على الناس ليأخذوه لأنفسهم
( يستوفون ) عليهم الكيل ، ولم يذكر اتزنوا ، لأن الكيل والوزن بهما الشراء والبيع ،
فأحدهما يدل على الآخر . ( وإذا كالوهم أو وزنوهم ) أي كالوا لهم ، أو وزنوا لهم
( يخسرون ) أي ينقصون . والمعنى أنهم إذا كالوا ، أو وزنوا لغيرهم ، نقصوا .
تقول : كلتك . وكلت لك ، كما تقول نصحتك ، ونصحت لك . ويروى عن ابن
مسعود أنه قال : الصلاة مكيال فمن وفى وفى الله ، ومن طفف قد سمعتم ما قال
الله في المطففين . ثم عجب الله خلقه من غفلة هؤلاء حيث فارقوا أمر الله ، وطريقة
العدل فقال . ( ألا يظن ) أي ألا يعلم ( أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم ) وهو يوم
القيامة يريد : ألا يستيقن من فعل هذا أنه مبعوث محاسب ، عن ابن عباس .
ثم أخبر عن ذلك اليوم فقال : ( يوم يقوم الناس لرب العالمين ) والمعنى يوم
يقوم الناس من قبورهم لأمر رب العالمين ، ولجزائه ، أو حسابه . وجاء في الحديث
أنهم يقومون في رشحهم إلى أنصاف آذانهم . وفي حديث آخر : يقومون حتى يبلغ
الرشح إلى أطراف آذانهم . ويحتمل أن يكون المراد أيضا ألا يحسب أولئك ، لأن من
ظن الجزاء والبعث وقوي ذلك في نفسه ، وإن لم يكن عالما به ، فإنه يجب عليه أن
يتحرز خوفا من العقاب الذي يجوزه ويظنه ، كما أن من ظن العطب في سلوك
طريق ، فواجب عليه أن يتجنب سلوكه . وفي الحديث عن سليم بن عامر ، عن
المقداد بن الأسود قال : سمعت رسول الله ( ص ) يقول : ( إذا كان يوم القيامة أدنيت
الشمس من العباد ، حتى تكون الشمس بقدر ميل أو ميلين ) . قال سليم : فلا أدري
أمسافة الأرض أم الميل الذي تكحل به العين . ثم قال : ( صهرتهم الشمس فيكونون
تفسير مجمع البيان — صفحة 291
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٢٩١