متطلعين ، عن الحسن . وقيل : مقبلين عنك بوجوههم لا يلتفتون عنك أي : ناظرين
إليك بالعداوة . والمراد بالذين كفروا هنا : المنافقون . ( عن اليمين وعن الشمال )
أي عن يمينك ، وعن شمالك ( عزين ) أي جماعات متفرقين ، عصبة عصبة ،
وجماعة جماعة ( أيطمع كل امرئ منهم ) أي من هؤلاء المنافقين ب ( أن يدخل جنة
نعيم ) كما يدخل أولئك الموصوفون قبل هذا . وإنما قال هذا لأنهم كانوا يقولون : إن
كان الأمر على ما قال محمد ، فإن لنا في الآخرة عند الله أفضل مما للمؤمنين كما
أعطانا في الدنيا أفضل مما أعطاهم .
( كلا ) أي لا يكون ، ولا يدخلونها ( إنا خلقناهم مما يعلمون ) أي من
النطفة ، عن الحسن . أي من كان أصله من هذا الماء المهين فكيف استوجب الجنة
بأصله وبنفسه ، إنما يستوجبها بالأعمال الصالحة . نبه سبحانه بهذا على أن الناس
كلهم من أصل واحد ، وإنما يتفاضلون بالإيمان والطاعة . وتحقيقه : إنما خلقناهم
من المقاذر والأنجاس : فمتى يدخلون الجنة ، ولم يؤمنوا بي ، ولم يصدقوا رسولي .
وقيل : معناه خلقناهم من الجنس الذين يعلمون ، أو من الخلق الذين يعلمون
ويفقهون ، ويلزمهم الحجة ، ولم نخلقهم من الجنس الذي لا يفقه كالبهائم والطير
وقيل : معناه خلقناهم من أجل ما يعلمون من الثواب والعقاب ، والتكليف للطاعات ،
تعريضا للثواب ، كما يقول القائل : غضبت عليك مما تعلم أي من أجل ما تعلم
قال الأعشى :
أأزمعت من آل ليلى ابتكارا * وشطت على ذي هوى أن تزارا ( 1 )
أي من أجل آل ليلى . ودل قوله ( وشطت على ذي هوى ) أنه لم يزمع من
عندهم ، وإنما أزمع من أجلهم للمصير إليهم ( فلا أقسم ) هو مفسر في سورة الحاقة
( برب المشارق والمغارب ) يعني مشارق الشمس ومغاربها ، فإن لها ثلاثمائة وستين
مطلعا ، لكل يوم مطلع لا تعود إليه إلى قابل ، عن ابن عباس ( 2 ) ( إنا لقادرون على
هامش
( 1 ) هذا البيت مطلع قصيدة قالها في مدح قيس بن معد يكرب . وأزمعت أي : عزمت وقصدت .
و ( ابتكارا ) هو في الأصل الخروج في وقت البكرة وأراد به الارتحال . ( وشطت ) ، أي بعدت .
( 2 ) قال بعض الأساتذة دام ظله : إن في هذه الآية وما يضاهيها من الآيات الكريمة مثل قوله تعالى :
( كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها ) الأعراف ( 137 ) إشارة إلى كروية الأرض ، فإن
طلوع الشمس على جزء من أجزاء الكرة الأرضية ، يلازم غروبها عن جزء آخر ، فيكون
تعدد المشارق والمغارب واضحا ، لا تكلف فيه ، ولا تعسف . وأما الحمل على تعدد مطالع
الشمس ومغاربها باختلاف أيام السنة فإنه تكلف لا ينبغي أن يصار إليه ، لان الشمس لم يكن
لها مطالع معينة ، ليقع الحلف بها ، بل تختلف تلك باختلاف الأراضي . فلا بد من أن يراد بها
المشارق والمغارب التي تتجدد شيئا فشيئا باعتبار كروية الأرض ، وحركتها .