ذلك الفضل الكبير ، والعلم الغزير ، ولتواتر لهفهم على ما أهملوه من بسط أثوابهم لرسول اللّه حين أنّه لا كلفة فيه ولا مشقّة عليهم ، ولندّدد بعضهم ببعض ، وتلاوموا على تركهم ذلك بسوء اختيارهم ، ولتواترت منهم الغبطة لأبي هريرة بالفوز به دونهم ، على حين أنّه لم يكن عليه إلّا ثوب واحد ، وما منهم من أحد إلّا وعليه ثوبان أو أكثر ، فلمّا لم يكن شيء من ذلك ، علمنا أنّ هذا من كيس أبي هريرة .
الرابع : لو كان الأمر كما قصّه أبو هريرة ، لحدّث به غيره ممّن دعاهم النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يومئذ إلى بسط أثوابهم ، بل لو كان لعدّه الصحابة والتابعون من أعلام النبوّة ، وآيات لاإسلام ، وأدلّة الدين ، ولتواترت به الأخبار ، واشتهر اشتهار الشمس في رائعة النهار ، فلمّا لم نجده إلّا في حديث أبي هريرة ، عطفناه على واهياته .
الخامس : أنّه قد تناقض كلام أبي هريرة في هذه القصّة ، فتارة حدّث بها كما سمعت ، إذ قال - فيما رواه الأعرج عنه ( 1 ) - : إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال يوما لأصحابه :
شرح
( 1 ) الأعرج هو عبد الرحمن به هرمز ، وحديثه هذا عن أبي هريرة موجود في آخر المزارعة ، ص 34 من الجزء الثاني من صحيح البخاري « 1 » ؛ وموجود في فضائل أبي هريرة ص 357 من الجزء الثاني من صحيح مسلم « 2 » .
وأخرج البخاري نحوه في أوّل البيوع في الصفحة الأولى من الجزء الثاني من صحيحه بالإسناد إلى سعيد بن المسيّب وأبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة ، ولفظه : أنّ رسول اللّه قال في حديث حدّثه : « إنّه لن يبسط أحد ثوبه حتّى أقضي مقالتي هذه ، ثمّ يجمع إليه ثوبه إلّا وعى ما أقول » فبسطت نمرة عليّ حتّى قضى مقالته ، جمعتها إلى صدري فما نسيت من مقالته تلك من شيء « 3 » .
هامش
( 1 ) . صحيح البخاري 2 : 827 ، ح 2223 .
( 2 ) . صحيح مسلم 4 : 1939 - 1940 ، كتاب فضائل الصحابة ، ح 159 .
( 3 ) . صحيح البخاري 2 : 722 ، ح 1942 .