« لن يبسط أحد منكم ثوبه حتّى أقضي مقالتي هذه ، ثمّ يجمعه إلى صدره فينسى من مقالتي شيئا أبدا » . قال : فبسطت نمرة ليس عليّ ثوب غيرها حتّى قضى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم مقالته ، ثمّ جمعتها إلى صدري ، فوالذي بعثه بالحقّ ، ما نسبت من مقالته تلك شيئا إلى يومي هذا ، انتهى بلفظ .
وتارة حدّث بها ، فقال - فيما رواه عنه المقبري ( 1 ) - : قلت : يا رسول اللّه ، إنّي أسمع منك حديثا أنساه ، قال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « ابسط رداءك » فغرف بيديه ( 2 ) ، ثمّ قال : « ضمّه » فضممته ، فما نسيت شيئا بعده . انتهى بنصّه .
وأنت ترى أنّ القصّة على مقتضى الحديث الأوّل - حديث الأعرج - إنّما كانت بين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وأصحابه ، والمبتدئ فيها إنّما كان رسول اللّه ، إذ دعاهم إلى بسط أثوابهم إشفاقا عليهم من النسيان ، وأنّها على مقتضى الحديث الثاني - حديث المقبري - إنّما كانت بين أبي هريرة خاصّة ورسول اللّه ، والمبتدئ فيها إنّما هو أبو هريرة ، حيث شكا نسيانه إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم .
وأيضا فإنّ الحديث الأوّل - حديث الأعرج - يقتضي تخصيص عدم النسيان بتلك
شرح
( 1 ) هو سعيد بن أبي سعيد ، وحديثه هذا عن أبي هريرة موجود في ص 24 من الجزء الأوّل من صحيح البخاري « 1 » ، في باب حفظ العلم من كتاب العلم .
( 2 ) قال القسطلاني في شرح هذه الكلمة : فغرف بيديه من فيض فضل اللّه ، فجعل الحفظ كالشئ الذي يغرف منه ، ورمى به في ردائه . إلى آخر كلامه ، فراجعه في ص 379 من الجزء الأوّل من إرشاد الساري « 2 » في شرح هذا الحديث من صحيح البخاري .
هامش
( 1 ) . صحيح البخاري 1 : 55 ، 118 .
( 2 ) . إرشاد الساري 1 : 211 .