له في كلّ يوم من أخلاقه علما ويأمره بالاقتداء به . ولقد كان معه - هو والصدّيقة الكبرى خديجة امّ المؤمنين - بحراء ، فيرى نور الوحي والرسالة ، ويشمّ ريح النبوّة . وكان بعد ذلك باب مدينته ، وأقضى امّته ، وعيبة سرّه ، ووليّ أمره ، ووارث حكمه ، وفارج همّه ، وصاحب الاذن الواعية ، ومن عنده علم الكتاب . فهل يمكن أن ينسى من سنته ما حفظه أبو هريرة ، أو يكتم منها ما بيّنه أبو هريرة ؟ سبحانك هذا يهتان عظيم .
على أنّه لم يكن من المهاجرين من يصفق في الأسواق إلّا القليل ، وحسبك أبو ذرّ والمقداد وعمّار ، ورفقاء أبي هريرة في الصفّة ، وهم سبعون كانوا - كما وصفهم أبو هريرة - ما منهم رجل عليه رداء ، وإنّما عليه إمّا إزار وإمّا كساء قد ربطوه في أعناقهم ، إلى آخر كلامه في وصفهه ( 1 ) . فما بالهم لم يحدّثوا بمثل أحاديثه ، ولم يكثروا كما أكثر ، بل لم يكن المجموع من حديثهم كافّة إلّا دون حديثه خاصّة .
وكذا الأنصار لم يكونوا بأجمعهم من أهل الأموال والأشغال كما زعم . وحسبك ممّن لا مال له منهم سلمان الفارسي الذي قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فيه : « سلمان منّا أهل البيت » « 1 » ، وقال - كما في ترجمة سلمان من الاستيعاب - : « لو كان الدين عند الثريّا لناله سلمان » « 2 » .
وقالت عائشة - كما في ترجمته من الاستيعاب أيضا - كان لسلمان مجلس من رسول اللّه ، ينفرد به في الليل ، حتّى كاد يغلبنا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم « 3 » .
شرح
( 1 ) فراجعه في أحواله على عهد النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من هذا الإملاء « 4 » .
هامش
( 1 ) . كما في ترجمة سلمان من أسد الغابة 2 : 492 ، الرقم 2150 .
( 2 و 3 ) . الاستيعاب 2 : 636 ، الرقم 1014 .
( 4 ) . راجع الفصل 3 .