وفي الاستيعاب أيضا : قال عليّ : « إنّ سلمان الفارسي مثل لقمان الحكيم ، علم الأوّل والآخر ، بحر علم لا ينزف » « 1 » . وقال كعب الأحبار - كما في الاستيعاب وغيره « 2 » - :
سلمان حسي علما وحكمة ، إلى آخر ما هو مأثور عنه من أمثال هذه الخصائص .
وقد علم الناس أنّ أبا أيّوب الأنصاري لم يكن له من العيش إلّا بلغة لا تشغله عن علم ولا عن عمل ، وكذلك أبو سعيد الخدري ، وأبو فضالة الأنصاري ، وغيرهم من نظرائهم من علماء الأنصار وعظمائهم رضي اللّه تعالى عنهم .
على أنّ سيّد الحكماء وخاتم الأنبياء صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لم تكن أوقاته فوضى ، وإنّما كانت في الليل والنهار مرتبة للمهمّات ، على ما تقتضيه الحكمة في تلك الأوقات ، وقد خصّص منها لإلقاء العلم وقتا لا يعارض أوقات الصفق في الأسواق ، ولا أوقات العمل في الأموال . وكان المهاجرون والأنصار لا يغيبون في ذلك الوقت أبدا ، وهم أحرص على العلم ممّا يخرّفه المخرّفون .
الثاني : لو صحّ ما زعمه أبو هريرة - من قول النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لأصحابه : « لن يبسط أحد منكم ثوبه حتّى أقضي مقالتي هذه ، ثمّ يجمعه إلى صدره ، فينسى من مقالتي شيئا أبدا - لتسابقوا إليه ، واجتمعوا بقضّهم وقضيضهم عليه ، فإنّه الفضل لا يبلغه الطالب بشدّ الرحال ، والعلم لا يناله يبذل الأموال . وما الذي ثبّطهم عن نيله ، ومنعهم عن بسط أثوابهم في سبيله ؟ وكيف زهدوا في هذه الغنيمة ، وضيّعوا على أنفسهم تلك الفوائد العظيمة ؟ أترى أنّهم كانوا بهذه المثابة من الزهد في العلم ، والرغبة عمّا يدعوهم الرسول إليه ؟ كلّا ! ما هكذا الظنّ بهم ، ولا هذا بمشبه لما كانوا عليه من التعبّد بأوامره ، والمبادرة إلى ما يدعوهم إليه .
الثالث : لو صحّ ما زعمه أبو هريرة لعظم ندم الصحابة ، وأسفهم على ما ضيّعوه من
هامش
( 1 ) . الاستيعاب 2 : 636 ، الرقم 1014 ، ولكن لم يذكر فيه : « إنّ سلمان الفارسي مثل لقمان الحكيم » .
( 2 ) . المصدر 2 : 636 ، الرقم 1014 . وراجع أيضا الطبقات الكبرى 4 : 85 .