أشدّهم إنكارا عليه ، لتطاول الأيّام بها وبه . وكان عمر أيضا شديدا على من أكثر الرواية ، أو أتى بخبر في الحكم لا شاهد له عليه .
إلى آخر كلامه الذي أجراه الحقّ على لسانه ، فكان - بالرغم عنه - مصدّقا للنظّام فيما نقله عن أولئك الأعلام . ولا غرو فالحقّ ينطق منصفا وعنيدا .
أمّا ما زعمه ابن قتيبة ( 1 ) من إمساك الصحابة عن أبي هريرة لمّا أخبرهم بمنزلته الخاصّة من رسول اللّه ، فجزاف لا يصغى إليه ؛ فإنّ عظماء الصحابة يعرفون منزلته بكنهها ، فلا حاجة بهم إلى من يعرّفهم بها ، فلو كانت له في نفوسهم منزلة الصادقين ما كذّبوه ولا اتّهموه ، وقد مرّ عليك حديثه ( 2 ) إذ يخرّ بين المنبر والحجرة مغشيّا عليه - في العهد النبويّ - فيجيء الجائي فيضع رجله على عنقه ، يرى أنّه مجنون ، وهذا ما لا يجتمع مع احترامه ، فضلا عن سموّ مقامه .
وبالجملة ، فإنّ إنكار الأجلّاء من الصحابة والتابعين عليه ، واتّهامهم إيّاه ، ممّا لا ريب فيه ، ما تورّع منهم عن ذلك أحد حتّى مضوا لسبيلهم ، وإنّما تورّع الجمهور ممّن جاء بعدهم ، إذ قرّروا القول بعدالة الصحابة أجمعين أكتعين أبصعين ، ومنعوا من النظر في شؤونهم ، وجعلوا ذلك من الأصول المتّبعة وجوبا ، فاعتقلوا العقول بهذا ، وسملوا العيون ، وجعلوا على القلوب أكنّة ، وعلى الأسماع وقرا ، فإذاهم «
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ
» « 1 » .
شرح
( 1 ) في ص 50 من كتابه تأويل مختلف الحديث « 2 » .
( 2 ) في أوائل هذا الإملاء « 3 » .
هامش
( 1 ) - . البقرة 18 : 2 .
( 2 ) - . تأويل مختلف الحديث : 40 .
( 3 ) - . تقدّم في الفصل 3 .