قلنا : إنّ المورد لايخصّص الوارد . على أنّ هذا الحديث ليس بالوحيد في بابه ، فإنّ في الصحاح من نظائره نصوصا تعنو لها الجباه بخوعا ، لم ترد في مورد خاصّ لتختصّ به ، بل جاءت عامّة لفظا وموردا .
وحسبك منها عهده يوم عرفة من حجّة الوداع ، وقد أهاب بأهل الموقف يدلّهم على مفزعهم في أداء رسالته ، وهو إذ ذاك على ناقته يناديهم بأعلى صوته ، فأشخص أبصارهم وأسماعهم وأفئدتهم إليه ، فإذا به يقول : « عليّ منّي وأنا من عليّ ، ولايؤدّي عنّي إلّا أنا أو عليّ » ( 1 ) .
ياله عهدا ما أخفّه على اللسان ، وما أثقله في الميزان ، جعل لعليّ من صلاحية الأداء عنه صلى الله عليه وآله وسلم عين الصلاحية الثابتة للنبيّ في الأداء عن نفسه ، فأشركه في أمره وائتمنه على سرّه ، كما كان هارون من موسى ، إلّا أنّ عليّا لم يكن بنبيّ ، وإنّما هو وزير ووصيّ يطبع على غرار نبيّه ، ويبيّن عنه للناس ما اختلفوا فيه .
شرح
( 1 ) أخرجه ابن ماجة في فضائل الصحابة ص 92 من الجزء الأوّل من سننه ، ورواه الترمذي والنسائي في صحيحيهما ، وهو الحديث 2531 في ص 153 من الجزء السادس من كنز العمّال « 1 » .
وأخرجه الإمام أحمد من حديث حبشي بن جنادة ص 164 من الجزء الرابع من مسنده « 2 » بطرق متعدّدة كلّها صحيحة ، وحسبك أنّه أخرجه عن يحيى بن آدم ، عن إسرائيل بن يونس ، عن جدّه أبي إسحاق السبيعي ، عن حبشي ، عن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم ، وكلّ هؤلاء حجج عند الشيخين وغيرهما . ومن راجع هذا الحديث في مسند أحمد علم أنّه إنّما صدر في حجّة الوداع التي ما لبث النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بعدها في هذه الدار الفانية إلّا قليلا .
هامش
( 1 ) - . سنن ابن ماجة 44 : 1 ، ح 120 ؛ الجامع الصحيح 275 : 5 ، ح 3090 ، فيه : « لا ينبغي لأحد أن يبلّغ هذا إلّا رجل من أهلي ، فدعا عليّا فأعطاه » ؛ ولم نعثر عليه في سنن النسائي إلّا أنّه رواه في خصائصه : 106 ، ح 73 ؛ كنز العمّال 602 : 11 ، ح 32913 .
( 2 ) - . مسند أحمد 163 : 6 ، ح 17518 - 17520 .