المبحث الثالث : فيما ترتّب من الآثار الشريفة على نبذ عهد المشركين ، وما
كان لأمير المؤمنين بسبب قيامه بهذه المهمّة من علوّ المقام عند العرب كافّة ، وما بوّأه اللّه تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم من المجد والعلاء باختيارهما إيّاه لهذه المهمّة ، ولا سيّما بعد إرجاع أبي بكر عنها ، إلى خصائص اخر تتّصل بذلك ، وتوجب كونه أفضل الامّة وأولاها برسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم حيّا وميّتا .
كان بنبذ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عهد المشركين ، ومنعه إيّاهم عن الحجّ وعن مكّة ، وإعلانه تحريم الجنّة عليهم ، وأذانه بالبراءة منهم ، كمال الدين وصلاح أمر المسلمين ، وقوّة الحقّ وأهله ، ووهن الباطل وأهله .
أدرك المسلمون به منتهى العزّة ، ونالوا به غاية المجد ، فهدأت فورة الشرك ، وذلّت نواصي المشركين ، فكان الدين كلّه للّه عزّ سلطانه .
وقد شاء اللّه سبحانه أن يجري ذلك كلّه على يد عبده ووصيّ نبيّه عليّ بن أبي طالب ؛ تنويها باسمه ، وتنبيها إلى فضله ، وإعلاء لذكره ، وإعلانا لعظيم قدره ، وتمهيدا للعهد بالخلافة إليه ، ومقدّمة للنصّ في العام المقبل عليه ( 1 ) فنشر صلى الله عليه وآله وسلم ذكره - بإرساله إيّاه لأداء هذه المهمّة عنه - انتشار الصبح ، وأطار صيته في العرب استطارة البرق ، وذلك أنّ نبذ العهد كان مختصّا عندهم بالزعيم الذي عقده ، ولايتجاوزه إلّا إلى من كان يمثّله في زعامته ، ويخلفه في مكانته ، ويأمن وهنه ، ولا يخشى سقطته ، ولا يرتاب في أحكامه ، ولا يعتريه شكّ في نقضه وإبرامه .
هامش
( 1 ) إذ كان نبذ العهد سنة تسع ، وكان النصّ عليه سنة عشر ، والنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قافل من حجّة الوداع .