إنّ أبا هريرة نزوع إلى الغرائب ، توّاق إلى العجائب ، قد استخفّته إلى خوارق العادات نزيّة من الشوق والهيام ( 1 ) ، فتراه طروبا إلى التحدّث بما هو فوق النواميس الطبيعيّة ، كفرار الحجر بثياب موسى « 1 » وكضرب موسى ملك الموت حتّى فقأ عينه « 2 » ، ونزول جراد الذهب على أيّوب « 3 » ، وأمثال ذلك من المستحيلات عادة .
وها هو الآن يحدّث بأنّ بقرة وذئبا يتكلّمان بلسان عربيّ مبين فيفصحان عن عقل وعلم وحكمة ، الأمر الذي لم يقع أصلا ، ولا هو واقع قطعا ، ولن يقع أبدا .
وسنّة اللّه في خلقه تحيل وقوعه إلّا في مقام التحدّي والتعجيز ، حيث يكون آية للنبوّة ، وبرهانا على الاتّصال باللّه - عزّ سلطانه - ومقام الرجل حيث ساق بقرته إلى الحقل فركبها في الطريق لم يكن مقام تحدّ وإعجاز ؛ لتصدر فيه الآيات وخوارق العادات ، وكذلك مقام راعي الغنم حين عدا الذئب عليه ، فلا سبيل إلى القول بإمكان صحّة هذا الحديث عقلا ، فإنّ المعجزات وخوارق العادات لا تقع عبثا بإجماع العقلاء .
وما أغنى أبا بكر وعمر عن هذه الفضيلة ، وليتهما سمعا أبا هريرة يحدّث بها ، ولو فعل على عهدهما ، لأعذرا إلى اللّه تعالى فيه ، ولكنّه تذرّع بهما إلى إشباع شهوة الإغراب والتخريف في نفسه ، ومشى في ظلّهما إلى ذلك ، وهو يعلم أنّ مكذّبه يمنى بسخط الرأي العامّ ، ويرمى بالخروج على الخليفتين .
شرح
( 1 ) النزيّة من الشوق والهيام : ما فاجأ الإنسان منهما « 4 » .
هامش
( 1 ) - . تقدّم في ص 91 .
( 2 ) - . تقدّم في ص 88 - 89 .
( 3 ) - . تقدّم في ص 104 .
( 4 ) - . لسان العرب 321 : 15 ، « ن . ز . ي » .