ولعلّ الذي جرّأ أبا هريرة على هذا الحديث قصور مداركه عن معاني الذكر الحكيم والفرقان العظيم ، فظنّ أنّ بعض آياته تثبت وقوع مثل ذلك ، إذ قال اللّه عزّ وجلّ فيما اقتصّ من خبر سليمان : «
فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ * وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ
» « 1 » . فظنّ الرجل أنّهم كانوا كسائر المقرّنين بالأصفاد من البشر ، ولم يدر أنّهم كانوا مقرّنين في عالمهم الشيطاني بأصفاد تتّفق مع طبائعهم الشيطانيّة ، تمنعهم عمّا يحاولونه من العيث والفساد ، من حيث لا يراهم من الآدميين أحد أبدا .
ذكر أبو هريرة في هذا الحديث : أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إنّما أطلق سراح الشيطان كراهة أن يكون له ملك سليمان ، ولولا ذلك لأوثقه إلى سارية حتّى يصبحوا فينظروا إليه .
وقد اشتبه أبو هريرة ، فإنّ اللّه - عزّ سلطانه - وهب لسليمان ملكا سخّر له فيه الريح ، غدوّها شهر ورواحها شهر ، وأسال له عين القطر ، ومن الجنّ من يعمل بين يديه بإذن ربّه ، ومن يزغ منهم عن أمره يذقه من عذاب السعير «
يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ
» « 2 » فوهب له بهذا ملكا لم يهبه لرسول اللّه في ظاهر الحال ؛ فلو أوثق صلى الله عليه وآله وسلم شيطان أبي هريرة لا يكون بمجرّد ذلك مساويا في الملك لسليمان ، إذ تبقى الميزة لملك سليمان بتسخير الريح وإسالة عين القطر ، وعمل الجنّ والشياطين من كلّ بنّاء وغوّاص ، فالتعليل الذي ذكره أبو هريرة عليل ، وحديثه من الأباطيل ، وحاشا رسول اللّه أن يحيّر الحواسّ ، ويدهش مشاعر الناس ، وهو صلى الله عليه وآله وسلم الذي نصّ على اختصاص العقل بالخطاب ، وحاكم إليه الخطأ والصواب ، فجعل صحّة الدليل آية الحقّ ، وأمرنا أن لا نسير إلّا على ضوئه «
أَ فَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
» « 3 » .
هامش
( 1 ) - . ص 36 : 38 - 38 .
( 2 ) - . سبأ 13 : 34 .
( 3 ) - . الملك 22 : 67 .