وأولو الألباب يعلمون أن ليس المراد من « النسخ » و « الإحكام » هنا معناهما المصطلح عليه في عرف المفسّرين ، وإنّما المراد من النسخ والإحكام في هذه الآية معناهما اللغوي ، فالنسخ بمعنى الإزالة ، والإحكام بمعنى الإتقان . وهذه الآية في نسخها وإحكامها ليست إلّا كقوله تعالى : «
فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ
» « 1 » .
ثمّ لمزيد عنايته - عزّ وعلا - بنبيّه لفته إلى ما يوجب له مزيد الطمأنينة بفوز الأنبياء وخزي الشيطان ، فقال : «
وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ *
» وسع كلّ شيء علما وحكمة يعلم إخلاص الرسل والأنبياء في أمانيّهم ، فيمدّهم بروح القدس من عنده ، ويبوّئهم مبوّأ صدق من كرامته ، ويعلم عداوة الشيطان للّه ولرسوله ولعباده بما يلقيه من التشويه في أمانيّ الرسل والأنبياء ، فيخزيه بخبث سريرته ولؤم علانيته ، على ما تقتضيه الحكمة من كرامة من يستحقّ الكرامة ، وخزي من يستحقّ الخزي ، فإنّ « الحكمة » وضع الأمور مواضعها .
وقد شاءت حكمته تعالى أن يميّز الخبيث من الطيّب من عباده فابتلاهم بالغرور الرجيم يلقي التشويه في أمانيّ الرسل والأنبياء «
لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً
» أي اختبارا وتمحيصا «
لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ
» من النفاق «
وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ
» لا تلين لذكر اللّه وما نزل من الحقّ ، إذ ران عليها ما سوّل الشيطان لهم من الكفر ، فحجبها عن نور الإيمان والهدى «
وَإِنَّ الظَّالِمِينَ
» من المنافقين والكفّار «
لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ
» أي في عداوة للّه ولرسوله لا أجل لها قد أعمت عن الحقّ أبصارهم ، وأصمّت أسماعهم ، ورانت على قلوبهم ، ونعقوا بسببها مع كلّ ناعق من الشيطان «
وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ
» بوحدانيّة اللّه وحكمته ، وبعثة الرسل والأنبياء «
أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ
» « 2 » غير
هامش
( 1 ) - . الرعد 17 : 13 .
( 2 ) - . الحّج 52 : 22 - 54 .