ثانيها : أنّ هذا الحديث صريح بتناقض الحكمين الصادرين من هذين النبيّين ، وذلك ممّا يوجب القطع بخطأ أحدهما لو كان الحديث صحيحا ، والخطأ ممتنع على الأنبياء ، ولا سيّما في مقام الحكم بما أنزل اللّه تعالى «
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ
» « 1 » .
ثالثها : ظاهر هذا الحديث أنّ داود عليه السلام حكم بالولد للكبرى بدون بيّنة ولا مستند غير أنّها كبرى ، وهذا لا يصدر إلّا من جاهل بالموازين الشرعيّة ، بعيد عن قوانين المحاكمات ، تعالى اللّه وتنزّهت أنبياؤه عن ذلك .
رابعها : أنّ هذا الحديث صريح في أنّ سليمان إنّما حكم به للصغرى بمجرّد إشفاقها عليه من الشقّ بالسكّين ، وهذا بمجرّده لا يكون ميزانا لحكمه ، ولا سيّما بعد إقرارها به للكبرى ، وبعد حكم أبيه بذلك .
خامسها : لا ينقضي واللّه عجبي ممّن يسعه تصديق أبي هريرة في قوله : واللّه إن سمعت بالسكّين إلّا يومئذ وما كنّا نقول إلّا المدية . وي أنّ السكّين أكثر دورانا في كلام العرب من المدية بكثير ! وما أظنّ أحدا منهم يجهل معنى السكّين ، بخلاف المدية ؛ فإنّ أكثر العامّة لا يعرفونها . وي كأنّ أبا هريرة لم يقرأ ولم يسمع قوله تعالى في سورة يوسف وهي مكّيّة : «
وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً
» « 2 » . ( 1 )
شرح
( 1 ) سورة يوسف كلّها نزلت في مكّة إلّا أربع آيات منها نزلت في المدينة ثلاث من أوّلها ، والرابعة : «لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ» . وأبو هريرة إنّما أسلم بعد نزولها بأكثر من سبع سنين ، وكانت محفوظة يرتّلها المسلمون آناء الليل وأطراف النهار ، وقد سمعهم يقرؤونها في صلواتهم وخلواتهم وفي كثير من أوقاتهم .
هامش
( 1 ) - . المائدة 47 : 5 .
( 2 ) - . يوسف 31 : 12 .