جعل اللّه في هذا الحكم انتفاع صاحب الحرث بالغنم بإزاء ما فاته من الانتفاع بحرثه ، من غير أن يزول ملك المالك عن الغنم ، وأوجب على أصحاب الغنم أن يعملوا في الحرث حتّى يزول الضرر والنقصان ، فلمّا أفهم اللّه - عزّوجلّ - سليمان ذلك رفعه إلى أبيه ، فعزم أبوه عليه ليحكمنّ بما أنزل اللّه عليه فحكم به .
هذا ملخّص ما كان يومئذ بينهما ، لا تناقض فيه ولا اختلاف ، شأن كلّ حكمين عن اللّه تعالى نسخ ثانيهما الأوّل .
وأنا أتلو عليك من محكمات الفرقان ما يلمسك هذه الحقيقة ، قال - تبارك وتعالى - : «
وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ
( 1 )
فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ * فَفَهَّمْناها
( 2 )
سُلَيْمانَ وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فاعِلِينَ
» « 1 » فانظر إلى قوله - عزّ اسمه - : «
وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً
» تجده نصّا في أنّهما كانا جميعا على الصواب ، وأنّ حكم كلّ منهما وعلمه إنّما هو من لدن ربّ الأرباب .
لكن من رأي أبي هريرة أنّ أنبياء اللّه يجوز عليهم الحكم بمجرّد الاجتهاد ؛ لذلك جوّز عليهم الخطأ فيما يحكمون به كسائر المجتهدين .
«
ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ
» « 2 » إذ جوّزوا الاجتهاد والعمل بالظنّ على مهابط وحي اللّه ،
شرح
( 1 ) النفش هو الانتشار في الليل « 3 » .
( 2 ) أي ففهّمنا هذه الحكومة سليمان ، فكانت ناسخة للحكومة التي كان اللّه من ذي قبل فهّمها داود عليهماالسلام .
هامش
( 1 ) - . الأنبياء 78 : 21 - 79 .
( 2 ) - . الأنعام 91 : 6 ؛ الحجّ ( 22 ) : 74 ؛ الزمر ( 39 ) : 67 .
( 3 ) - . لسان العرب 357 : 6 ، « ن . ف . ش » .