إنّ أبا هريرة كلّما ازداد مثالة زاده اللّه رعالة ( 1 ) ، رأى أنّ جهنّم أوسع من أن تمتلئ بالعصاة ، وأنّ اللّه - عزّوجلّ - أخبر بامتلائها إذ قال : «
فَالْحَقُّ
( 2 )
وَالْحَقَّ أَقُولُ * لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ
» « 1 » فوقف أبو هريرة أمام هذين الأمرين وقفة الحائر ، يفكّر في الجمع بينهما حتّى انتهى به الفكر إلى حلّ المشكلة بإدخال رجل اللّه في جهنّم ؛ لأنّ رجل اللّه تعالى - على رأي أبي هريرة - لابدّ أن تكون أفخم وأعظم من جهنّم مهما كانت جهنّم متّسعة الأكناف ، ومهما كانت متباعدة الأطراف ، وأبو هريرة كيس ثقف لقف ، لا غرو أن جمع بين المتناقضات ، لكن فاته تدبّر قوله تعالى إذ قال : «
فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ * لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ
» ولو تدبّر الآية لاعتقل لسانه وانصرف يتعثّر بنمرته ، فإنّها نصّ في أنّ امتلاءها لا يكون إلّا منه - أي من جنسه - وهم الشياطين وممّن تبعه من الناس كافّة .
وعلى كلّ فإنّ هذا الحديث محال ممتنع بحكم العقل والشرع ، وهل يؤمن مسلم - ينزّه اللّه تعالى - بأنّ للّه رجلا ؟ وهل يصدّق عاقل بأنّه يضعها في جهنم لتمتلئ بها ؟ ! وما الحكمة بذلك ؟ ! وأيّ وزن لهذا الكلام البارد ! ؟ وبأيّ لسان تتحاجّ النار والجنّة ! ؟
وبأيّ حواسّهما أدركتا ما أدركتاه ، وعرفتا من دخلهما ، وأيّ فضل للمتجبّرين والمتكبّرين لتفخر بهم النار وهم يومئذ في أسفل سافلين ؟ وكيف تظنّ الجنّة أنّ الفائزين بها من سقطة الناس وهم من الذين أنعم اللّه عليهم بين نبيّ وصدّيق وشهيد وصالح ؟ ما أظنّ الجنّة والنار قد بلغ بهما الجهل والحمق والخرف إلى هذه الغاية .
شرح
( 1 ) مثل يضرب لمن كان كلّما ازداد رزقا زاده اللّه حمقا .
( 2 ) « فالحقّ » مبتدأ ، خبره محذوف ، تقديره : فالحقّ قسمي أو يميني لأملأنّ جهنّم ، و « الحقّ أقول » اعتراض بين المقسم به والمقسم عليه ، معناه : لا أقول إلّا الحقّ .
هامش
( 1 ) - . ص 84 : 38 - 85 .