ثمّ توجّه مجرم « 1 » لقتال ابن الزبير فهلك في الطريق ، وتأمّر بعده الحصين بن نمير بعهد من يزيد ، فأقبل حتّى نزل على مكّة المعظّمة ، ونصب عليها العرّادات والمجانيق ( 1 ) وفرض على أصحابه عشرة آلاف صخرة في كلّ يوم يرمونها بها ، فحاصروهم بقيّة المحرّم وصفر وشهري ربيع ، يغدون على القتال ويروحون ، حتّى جاءهم موت يزيد وكانت المجانيق أصابت جانب البيت فهدمته مع الحريق الذي أصابه .
وفظائع يزيد من أوّل عمره إلى انتهاء أمره أكثر من أن تحويها الدفاتر ، أو تحصيها الأقلام والمحابر ، قد شوّهت وجه التاريخ ، وقبّحت صحائف السير . وكان أبوه يرى كلابه وقروده وصقوره وفهوده ، ويطّلع على خموره وفجوره ، ويشاهد الفظائع من كلّ أموره ، ويعاين لعبه من الغواني ، ويعرف خبثه بكلّ المعاني ، ويعلم أنّه ممّن لا يؤتمن على نقير ، ولا يولّى أمر قطمير . فكيف رفعه والحال هذه إلى أوج الخلافة ، وأحلّه عرش الملك والإمامة ، وملّكه رقاب المسلمين ، وسلّطه على أحكام الدنيا والدين ؟ ! فغشّ بذلك امّته ، ولم ينصح رعيّته . وقد قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم - فيما أخرجه البخاري في الورقة الأولى من كتاب الأحكام من صحيحه ( 2 ) - : « ما من وال يلي رعيّة من المسلمين فيموت وهو غاشّ لهم إلّا حرّم اللّه عليه الجنّة » .
وقال صلى الله عليه وآله وسلم - فيما أخرجه أحمد من حديث أبي بكر في صفحة 6 من الجزء الأوّل
شرح
( 1 ) ذكر ذلك ابن قتيبة في صفحة 214 من كتابه الإمامة والسياسة « 2 » .
( 2 ) في صفحة 250 من جزئه الرابع « 3 » .
هامش
( 1 ) - . يعني مسلم بن عقبة .
( 2 ) - . الإمامة والسياسة 12 : 2 .
( 3 ) - . صحيح البخاري 2614 : 6 ، ح 6732 .