فانكشف الكفّار حينئذ عن المسلمين هاربين على غير انتظام ، ودخل المسلمون عسكرهم ينهبون ما تركوه من أسلحة وأمتعة وذخائر ومؤن ، فلمّا نظر الرماة إلى المسلمين وقد أكبّوا على الغنائم ، دفعهم الطمع في النهب إلى مفارقة محلّهم ( 1 ) الذي أمروا أن لا يفارقوه فنهاهم أميرهم عبد اللّه بن جبير رضي الله عنه فلم ينتهوا ، وقالوا : ما مقامنا هاهنا وقد انهزم المشركون . فقال عبد اللّه ( 2 ) : واللّه لا أجاوز أمر رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم ، وثبت مكانه مع أقلّ من عشرة ، فنظر خالد بن الوليد المخزومي إلى قلّة من في الجبل من الرماة فكرّ بالخيل عليهم ( 3 ) ومعه عكرمة بن أبي جهل ، فقتلوهم ومثّلوا بعبداللّه بن جبير فأخرجوا حشوة بطنه ، وهجموا على المسلمين وهم غافلون ، وتنادوا بشعارهم يا للعزّى ، يا لهبل ، ووضعوا السيوف في المسلمين وهم آمنون فكان البلاء ، وقتل حمزة سيّد الشهداء وسبعون من صناديد المهاجرين والأنصار ، وأصيب النبيّ - بأبي هو وامّي - بجروح يقرح القلوب ذكرها ، ويهيّج الأحزان بيانها ، فجزاه اللّه عنّا خير ما جزى نبيّا عن امّته . وإنّما كان هذا البلاء كلّه بعدم تعبّدهم بأوامره ونواهيه المقدّسة ، عفا اللّه تعالى عنهم .
ولهم ثمّة واقعة ثانية قدّموا فيها رأيهم أيضا ، وهي أعظم من الأولى ، وذلك أنّه لمّا اشتدّ البلاء بهجوم خالد على المسلمين ، تركوا سيّد الأنبياء بين أولئك الأعداء ،
شرح
( 1 ) كما في غزوة أحد من تاريخ ابن الأثير ، وغيره من سائر كتب السير والأخبار « 1 » .
( 2 ) كما في تاريخ ابن الأثير وغيره « 2 » .
( 3 ) صرّح بهذا كلّ من أرّخ غزوة أحد ، فراجع ما شئت من كتب السير والأخبار « 3 » .
هامش
( 1 ) - . راجع : الكامل في التاريخ 153 : 2 - 154 ، حوادث سنة 3 ؛ الطبقات الكبرى 41 : 2 ؛ تاريخ الطبري 507 : 2 - 508 ، حوادث سنة 3 ؛ السيرة النبويّة للدحلاني 42 : 2 .
( 2 ) - . راجع : الطبقات الكبرى 41 : 2 ؛ المغازي للواقدي 229 : 1 - 230 ؛ السيرة الحلبيّة 502 : 2 .
( 3 ) - . راجع المصادر المتقدّمة آنفا .