وامّي - أن يقتل العبّاس وعقيلا بيدي أخويهما : حمزة وعليّ ، فهل هذا من مظاهر رفقه بالنبيّ وأهل بيته صلى الله عليه وآله وسلم ، أو من موارد تعبّده بنصوصه المقدّسة ؟ ! كلّا ، بل هو من الشواهد على أنّه كان يؤثر رأيه على التعبّد بها ، كما لا يخفى .
وقد استاء أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة من نهي النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عن قتل العبّاس وسائر بني هاشم حتّى قال - كما في تاريخي ابن الأثير ، وابن جرير ، وسيرتي الحلبي ، والدحلاني ، وغيرهما « 1 » - : أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا ونترك العبّاس ؟ ! واللّه لئن لقيته لألجمنّه بالسيف ، فبلغ النبيّ ذلك فقال لعمر رضي الله عنه : « يا أبا حفص ، أما تسمع قول أبي حذيفة ؟ أيضرب وجه عمّ رسول اللّه بالسيف ؟ » فانظر كيف استنجده للدفاع عن عمّه ، وأعجب من اقتراحه بعد ذلك عليه قتله .
وقد ذكر المؤرّخون كافّة أنّه لمّا أمسى العبّاس مأسورا ، بات رسول اللّه - بأبي هو وامّي - ساهرا ، فقال له الصحابة : يا رسول اللّه ، ما لك لا تنام ؟ فقال : « سمعت تضوّر العبّاس في وثاقه فمنع منّي النوم » فقاموا إليه فأطلقوه ، فنام رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم « 2 » .
وإنّ رحمته صلى الله عليه وآله وسلم للعالمين ، ورأفته بالمؤمنين ، وإشفاقه على عشيرته الأقربين ، وخصوصا على أبي الفضل صنو أبيه ، والبقيّة من أهليه لممّا هو غنيّ عن البيان . ومن ذا يجهل حرصه يومئذ على سلامتهم ورغبته التامّة في بقائهم ليفوزوا بعد ذلك بخدمته ؟ وكانوا في الواقع مؤمنين لكنّهم لم يتمكّنوا من الهجرة إليه ، فاكرهوا على الخروج كما نصّ عليه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم . فاقتراح قتلهم - والحال هذه - أكبر شاهد على أنّهم كانوا يؤثرون إرادتهم في مثل هذا المقام على التعبّد بإرادته وأوامره عليه وآله الصلاة والسلام .
هامش
( 1 ) - . المصدر .
( 2 ) - . راجع : الكامل في التاريخ 128 : 2 ، حوادث سنة 2 . ونحوه في الطبقات الكبرى 13 : 4 ، وبحار الأنوار 19 :
240 - 242 ، تاريخ نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم ، الباب 10 .