قريش وطواغيتها ، كأبي جهل ، وعتبة ، وشيبة ، والوليد ، وحنظلة إلى سبعين من رؤوس الكفر وزعماء الضلال ، كما هو معلوم بالضرورة الأوّليّة ، فكيف يمكن بعد هذا أن يتناوله صلى الله عليه وآله وسلم اللوم المذكور في الآية ؟ ! تعالى اللّه عمّا يقول الظالمون علوّا كبيرا .
والصواب : أنّ الآية إنّما نزلت في التنديد بالذين كانوا يودّون العير وأصحابه على ما حكاه اللّه تعالى عنهم بقوله في هذه الواقعة - عزّ من قائل - : «
وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ
» « 1 » .
وكان صلى الله عليه وآله وسلم قد استشار أصحابه ، فقال لهم ( 1 ) : « إنّ القوم قد خرجوا على كلّ صعب وذلول فما تقولون ، العير أحبّ إليكم أم النفير ؟ قالوا : بل العير أحبّ إلينا من لقاء العدوّ » . وقال بعضهم حين رآه صلى الله عليه وآله وسلم مصرّا على القتال : هلّا ذكرت لنا القتال لنتأهّب له إنّا خرجنا للعير لا للقتال ، فتغيّر وجه رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم فأنزل اللّه تعالى : «
كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ * يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ
» « 2 » .
وحيث أراد اللّه - عزّ وجلّ - أن يقنعهم بمعذرة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في إصراره على القتال وعدم مبالاته بالعير وأصحابه قال - عزّ من قائل - : «
ما كانَ لِنَبِيٍّ
» من الأنبياء المرسلين قبل نبيّكم محمّد صلى الله عليه وآله وسلم : «
أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ
» فنبيّكم لا يكون له أسرى حتّى يثخن في الأرض على سنن غيره من الأنبياء عليهم السلام ، ولذلك
شرح
( 1 ) كما في السيرتين الحلبيّة ، والدحلانيّة « 3 » ، وغيرهما « 4 » من الكتب المشتملة على ذكر هذه الواقعة .
هامش
( 1 ) - . الأنفال 7 : 8 .
( 2 ) - . الأنفال 5 : 8 - 6 .
( 3 ) - . السيرة الحلبيّة 385 : 2 ؛ السيرة النبويّة للدحلاني 366 : 1 .
( 4 ) - . انظر البداية والنهاية 322 : 3 ، حوادث سنة 2 .