تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محاضرات في أصول الفقه تقرير أبحاث السيد أبو القاسم الخوئي — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
ولكنه غفل عن أن مجرد فعلية اقتضائهما لذلك لا يستلزم طلب الجمع ، وإنما يستلزم ذلك فيما إذا كان اقتضاء كل منهما على وجه الإطلاق وفي عرض الآخر . وأما إذا كان اقتضاء طلب المهم مقيدا بترك الأهم من دون اقتضائه لتركه فلا يستلزم طلب الجمع ، بل مقتضاهما التفريق في مقام الامتثال كما عرفت . وخلاصة ما ذكرناه في المقام بعد تحليل مسألة الترتب تحليلا علميا عميقا : هو أن المانع من طلب الضدين معا ليس إلا عدم قدرة المكلف على الجمع بينهما في مقام الامتثال ، ومن الواضح أن ذلك المانع إنما هو فيما إذا كان طلبهما في عرض واحد وعلى وجه الإطلاق . وأما إذا كان طلب أحدهما مقيدا بترك الآخر من دون تعرضه لحال تركه أصلا - كما هو المفروض - فلا مانع عندئذ أصلا ، لفرض أن المكلف قادر على الإتيان بالأهم وعلى الإتيان بالمهم في ظرف ترك الأهم ، والجمع بينهما غير مطلوب على الفرض . إذا لا مانع من تعلق الطلبين بهما على هذا النحو والتقدير ، ولا يلزم منه طلب المحال . والغفلة عن هذه النقطة الأساسية أوجبت تخيل أن تعلق الأمرين بالضدين في زمان واحد مستحيل ولو كان على نحو الترتب . أو فقل : إن منشأ استحالة طلب الجمع بين الضدين هو أن القدرة الواحدة لا تفي للجمع بينهما في زمان واحد . وأما إذا كان طلب أحدهما مشروطا بعدم الإتيان بالآخر فالقدرة الواحدة تفي بهما ، ضرورة أنه مع إعمال القدرة في فعل الأهم وصرفها في امتثاله لا أمر بالمهم أصلا ، لعدم تحقق شرطه . وأما مع عدم إعمالها فيه فلا مانع من إعمالها في فعل المهم ولا مانع عندئذ من فعلية أمره مع فعلية الأمر بالأهم ، ولا يلزم من فعلية كلا الأمرين في زمان واحد طلب المحال وغير المقدور أصلا . ونظير ما ذكرناه من الترتب موجود في الأمور التكوينية أيضا ، وهو ما إذا كان هناك مقتضيان : أحدهما يقتضي تحريك جسم عن مكان ، والآخر يقتضي بياضه على تقدير حصوله في ذلك المكان ، من دون نظر له إلى حال هذا التقدير واقتضائه حصوله فيه أصلا .