تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محاضرات في أصول الفقه تقرير أبحاث السيد أبو القاسم الخوئي — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
الأمر بالأهم يقتضي هدمه ورفعه . ومن الواضح جدا أنا لا نعقل لزوم طلب الجمع بينهما فيما عدا هاتين الصورتين . هذا من جانب . ومن جانب آخر : أن مفروض كلامنا - ها هنا - ليس من قبيل الصورة الأولى كما هو ظاهر ، ولا من قبيل الصورة الثانية ، لما عرفت من أن ترك الأهم بما أنه مأخوذ في موضوع الأمر بالمهم فيستحيل أن يقتضي وجوده ، ففرض اقتضائه وجوده ، وتحققه فرض عدم كونه مأخوذا في موضوعه ، وهذا خلف . فالنتيجة على ضوء هذين الجانبين : هي عدم لزوم طلب الجمع في مفروض الكلام . وأما التنافي بين الأمرين باعتبار مبدئهما فهو أيضا غير متحقق ، بداهة أنه لا تنافي ولا تزاحم بين تحقق ملاك في الواجب المهم على تقدير ترك الواجب الأهم وعصيانه ، وتحقق ملاك في الواجب الأهم على وجه الإطلاق ، بل لا تنافي بين الملاكين فيما إذا كان ثبوته في المهم أيضا على وجه الإطلاق ، مع قطع النظر عن تأثيرهما في جعل الحكم فعلا . ومن هنا يظهر : أنه لا تنافي بين إرادة المهم على تقدير عدم امتثال الأهم ، وإرادة الأهم على نحو الإطلاق . والنكتة في جميع ذلك هي أن التزاحم بين هذه الأمور جميعا إنما نشأ من مبدأ واحد ، وهو : عدم قدرة المكلف على الجمع بين الضدين في مقام الامتثال . ومن المعلوم أن التنافي إنما هو فيما إذا كان كل منهما مرادا للمولى ومطلوبا له في عرض الآخر . وأما إذا كانت مطلوبية أحدهما مقيدة بعدم الإتيان بالآخر فلا تنافي بين طلبيهما في زمان واحد ، ولا بين إرادتيهما ، لتمكن المكلف عندئذ من الإتيان بالأهم والإتيان بالمهم على تقدير ترك الأهم عقلا وشرعا . فالقائل باستحالة الترتب إنما قال بها من جهة غفلته عن هذه النكتة ، وتخيله أن فعلية طلب المهم وفعلية طلب الأهم في زمان واحد تستلزمان طلب الجمع بينهما ، إذ المفروض أن كل واحد منهما في هذا الزمان يقتضي إيجاد متعلقه في الخارج ، وهذا معنى طلب الجمع .