شرح
فالحكم في ذلك مشكل وليس له إلاّ وجهٌ واحد ، وهو أنّ الإتيان بالواجب مرّتين أمرٌ جائز لا مانع منه ، فأكملهما عند الله عزّ وجلّ يقع فرض المكلّف والآخر نفل . فحينئذ تسقط الإشكالات كلّها إلاّ أنّ ثبوت هذا الجواز يحتاج إلى دليل ، انتهى .
ونحن نقول : لا يجوز الإتيان بالواجب من العبادة مرّتين إلاّ في مواضع خاصّة لقيام الدليل عليها ، وعلى تقدير الجواز ففي سقوط جميع الإشكالات إشكالات :
أمّا الأوّل : فلا مناص فيه عن ترجيح أحدهما لا بعينه أو القول بالتشهّي ، لأنّ أقصى ما عندك أنّ الواجب قد أتى به مرّتين ، وكلاهما صالح لإسقاط ما في الذمّة ، فنقول لك : بأيّهما سقط أبفعل زيد أم عمرو ولا تعيين ؟ فإن قلت : سقط نصفه بفعل هذا لا بعينه ونصفه بفعل هذا لا بعينه ، فهو الّذي فررت من مثله ، وإن قصدت بذلك الجمع بين الحقّين إلاّ أن تقول إنّه لا يضرّ الجهل لمكان الجمع كما هو الشأن في نظائره ، وهو مراد المصنّف على الظاهر لكنّه لم يندفع به الإشكال . ثمّ إنّهما قد يكونان متساويين فلا أكمل عند الله عزّ وجلّ إلى غير ذلك ممّا يمكن أن يقال في معنى قوله « أكملهما عند الله تعالى يقع فرض المكلّف والآخر نفل » . وفي مؤدّاها ، إذ لو كانت صلاة أحدهما كلّها أكمل كيف تكفي عن صلاة الآخر ، فتدبّر .
وأما الثاني : فإن كان مراد المصنّف بالتنصيف عليهما الجمع بين الحقّين كما استظهرناه فلا إيراد به أصلاً ، وإلاّ فلا يندفع بكون الواجب يجوز الإتيان به مرّتين ، لأنّه لا مناص عن أحد أمرين : إمّا التشهّي أو السقوط بغير معيّن .
وأمّا الثالث : فلأنّ الواجب الّذي يجوز فعله مرّتين وينوي به الوجوب هو الّذي لم يطرأ احتمال بطلانه أو كونه نفلاً ، فما ظنّك بما إذا تيقّن أنّ أحد الفعلين أو نصفه نفلاً أو باطلاً ، فحين إيقاع النيّة لا يكون أحدهما جازماً بأنّ فعله الواجب والآخر نفل ، والجزم بها ممكن بأن يتأخّر عنه ويترتّب ، والمفروض أنّهما عالمان ،