شرح
وقد قدّمنا ( 1 ) أنّ المخالف ليس أخاً للمؤالف ، ولذا قيّده الأصحاب ( 2 ) بالمؤمن .
فالقائل بالكراهية يقول إنّ الخبر الخاصّي قد اشتمل مع ضعفه على جملة من
النواهي الّتي يراد منها الكراهية بإجماع الطائفة ، فلا يقوى على إثبات التحريم
وقطع الأصل المعتضد بالشهرة المنقولة في " غاية المرام " والمعلوم ، فيثبت به
وبالخبر العامّي الكراهية تسامحاً في أدلّتها .
والقائل بالحرمة يقول إنّ هذا النهي مشهور بين الخاصّة والعامّة فيجب العمل
به على ظاهره . واستدلّ عليه الراوندي ( 3 ) بأنّ الله تعالى عاتب داود فقال ( إنّ هذا
أخي له تسع وتسعون نعجة . . . الآية ( 4 ) ) قلت : استدلاله بالآية مبنيّ على ما رواه ( 5 )
الخاصّة في سبب ذلك لا على ما افتراه .
وقد يؤيّد القول بالتحريم أنّ في ذلك كسراً لقلب المؤمن ومنعاً له عن الخير
مع ما دلّ على مراعاة حقوقه . وفيه : أنّا قد لا نسلّم أنّ هذا المقدار من الكسر حرام . نعم
إن قصد ذلك وتعمّد إضراره قلنا بالحرمة ، وحينئذ يصحّ لنا أن نقول : إنّ الخبر وكلام
القائل بالحرمة منزّلان على ذلك وأخبار الحقوق منزلّة على المبالغة والاستحباب ،
ولهذا ما قالوا بوجوب التسوية في الأموال والجوع والشبع وغير ذلك للأصل .
وعلى القولين فالعقد صحيح كما صرّح به في " الغنية ( 6 ) والتحرير ( 7 ) والتنقيح ( 8 ) "
لأنّه نهيٌ عن الخارج .
هامش
( 1 ) تقدّم في ص 213 - 214 .
( 2 ) كالبحراني في الحدائق الناضرة : في آداب التجارة ج 18 ص 44 .
( 3 ) فقه القرآن : في باب آداب التجارة ج 2 ص 45 وفي القضاء ص 11 .
( 4 ) ص : 23 .
( 5 ) راجع تفسير التبيان : ج 8 ص 550 - 555 ، تفسير الآية 22 من سورة ص ، ومجمع البيان :
ج 8 ص 470 - 472 في تفسيرها للآية الكريمة .
( 6 ) غنية النزوع : في البيع ص 216 - 217 .
( 7 ) تحرير الأحكام : في آداب التجارة ج 2 ص 252 .
( 8 ) التنقيح الرائع : في آداب البيع ج 2 ص 38 .