وبالجملة : كان كلف « 1 » النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ببضعته الزهراء وإشفاقه عليها فوق كلف الآباء الرحيمة ، وإشفاقهم على أبنائهم البررة ، يؤويها إلى الوارف من ظلال رحمته ، ويفدّيها بنفسه ( 1 ) ، مسترسلا إليها بأنسه .
وكان يحرص بكلّ ما لديه على تأديبها وتهذيبها وتعليمها وتكريمها حتّى بلغ في ذلك كلّ غاية ، يزقّها المعرفة باللّه والعلم بشرائعه زقّا ، لا يألو في ذلك جهدا ، ولا يدّخر وسعا ، حتّى عرج بها إلى أوج كلّ فضل ، ومستوى كلّ كرامة ، فهل يمكن أن يكتم عليها أمرا يرجع إلى تكليفها الشرعي ؟ حاشا للّه ، وكيف يمكن أن يعرّضها - بسبب الكتمان - لكلّ ما أصابها من بعده في سبيل الميراث من الامتهان ، بل يعرّض الامّة للفتنة التي ترتّبت على منع إرثها ؟
وما بال بعلها خليل النبوّة ، والمخصوص بالاخوّة ، يجهل حديث « لا نورث » مع ما آتاه اللّه من العلم ، والحكمة ، والسبق ، والصهر ، والقرابة ، والكرامة ، والمنزلة ، والخصيصة ، والولاية ، والوصاية ، والنجوى ؟ ! !
وما بال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم يكتم ذلك عنه ، وهو حافظ سرّه ، وكاشف ضرّه ، وباب مدينة علمه ، وباب دار حكمته ، وأقضى امّته ، وباب حطّتها ، وسفينة نجاتها ، وأمانها من الاختلاف ؟ ! !
شرح
( 1 ) ذكرها صلى الله عليه وآله وسلم مرّة فقال : « فداؤها أبوها فداؤها أبوها » ثلاث مرّات . في حديث أخرجه الإمام أحمد بن حنبل ، ونقله عنه وعن غيره ابن حجر في الأمر الثاني من الأمور التي ذكرها في خاتمة الآية الرابعة عشرة من الآيات التي أوردها في الفصل الأوّل من الباب الحادي عشر من صواعقه ص 159 « 2 » .
هامش
( 1 ) - . الكلف : أي الحبّ . لسان العرب 307 : 9 ، « ك . ل . ف » .
( 2 ) - . الصواعق المحرقة : 182 ، الباب 11 ، الفصل 1 .