ربّ الأرباب ، ولا على سيّد الحكماء وخاتم الرسل والأنبياء ، وأنتم أجلّ من أن تجوّزوا عليه أن يصرف هممه كلّها ، وعزائمه بأسرها إلى تبيين شيء بيّن لا يحتاج إلى بيان ، وتوضيح أمر واضح بحكم الوجدان والعيان .
ولا شكّ أنّكم تنزّهون أفعاله وأقو اله عن أن تزدري بها العقلاء ، أو ينتقدها الفلاسفة والحكماء ، بل لا ريب في أنّكم تعرفون مكانة قوله وفعله من الحكمة والعصمة ، وقد قال اللّه تعالى : «
إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ * وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ
» « 1 » فيهتمّ بتوضيح الواضحات وتبيين ما هو بحكم البديهيّات ، ويقدّم لتوضيح هذا الواضح مقدّمات أجنبيّة لا ربط له بها ولا دخل لها فيه ، تعالى اللّه عن ذلك ورسوله علوّا كبيرا .
وأنت - نصر اللّه بك الحقّ - تعلم أنّ الذي يناسب مقامه واهتمامه في ذلك الهجير ، ويليق بأقو اله وأفعاله يوم الغدير ، إنّما هو تبليغ عهده وتعيين القائم مقامه من بعده ، والقرائن القطعيّة والأدلّة العقليّة توجبان القطع الثابت الجازم بأ نّه صلى الله عليه وآله وسلم ما أراد يومئذ إلّا تعيين عليّ واليا لعهده وقائما مقامه من بعده ، فالحديث مع ما قد حفّ به من القرائن نصّ جليّ في خلافة عليّ ، لا يقبل التأويل ، وليس إلى صرفه عن هذا المعنى من سبيل . وهذا واضح والحمد للّه «
لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ
» « 2 » .
على أنّ هذا الحديث لم يسلم من الاختصار بحذف شيء من نصوصه قطعا ؛ لأنّ القوّة الفعّالة والأكثريّة الساحقة يومئذ إنّما كانتا في جانب المعارضين الحوّل القلّب ، ولهم كانت الغلبة وعاقبة السلطة . ومع ذلك فإنّ الشذرة الباقية من شذور الحديث كافية وافية ، والحمد للّه . والعجب كلّ العجب من بقائها ، وإنّما بقيت «
لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ
هامش
( 1 ) - . التكوير 19 : 81 - 22 .
( 2 ) - . راجع الموسوعة ج 1 ، المراجعات ، المراجعة 58 ، والآية في سورة ق 37 : 50 .