مسلمون ؟ ! وقد تنزّه رسول اللّه ، وتعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا .
والصواب : أنّ الآية إنّما نزلت في التنديد بالذين كانوا يودّون العير وأصحابه ، على ما حكاه اللّه تعالى عنهم في قوله - عن هذه الواقعة - عزّ من قائل : «
وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ
» « 1 » .
وكان صلى الله عليه وآله وسلم قد استشار أصحابه فقال لهم ( 1 ) : « إنّ القوم قد خرجوا على كلّ صعب وذلول فما تقولون ؟ العير أحبّ إليكم أم النفير ؟ » .
قالوا : بل العير أحبّ إلينا من لقاء العدوّ ، وقال بعضهم حين رآه صلى الله عليه وآله وسلم مصرّا على القتال : هلّا ذكرت لنا القتال لنتأهّب له إنّا خرجنا للعير لا للقتال ؟
فتغيّر وجه رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم فأنزل اللّه تعالى : «
كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ * يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ
» « 2 » .
وحيث أراد اللّه - عزّ وجلّ - أن يقنعهم بمعذرة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في إصراره على القتال ، وعدم مبالاته بالعير وأصحابه قال عزّ من قائل : «
ما كانَ لِنَبِيٍّ *
» من الأنبياء المرسلين قبل نبيّكم محمّد صلى الله عليه وآله وسلم «
أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ
» فنبيّكم لا يكون له أسرى حتّى يثخن في الأرض على سنن غيره من الأنبياء الذين اتّخذوا أسرى ؛ ولذلك لم يبال إذ فاته أسر أبي سفيان وأصحابه حين هربوا بعيرهم إلى مكّة ، لكنّكم أنتم
شرح
( 1 ) كما في السيرتين : الحلبيّة والدحلانيّة وغيرهما « 3 » من الكتب المشتملة على هذه الواقعة .
هامش
( 1 ) - . الأنفال 7 : 8 .
( 2 ) - . الأنفال 5 : 8 - 6 .
( 3 ) - . السيرة الحلبيّة 385 : 2 ؛ السيرة النبويّة للدحلاني 366 : 1 . وراجع أيضا جوامع الجامع 4 : 2 - 5 ، ذيل الآية .