ونهى رسول اللّه عن قتلهم والحرب قائمة على ساقها ، فكيف يقتلان وهما أسيران ؟ وإذا كان تضوّر العبّاس أقلق رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم ومنعه النوم ، فما ظنّك بقتله صبرا بلا مقتض لذلك ، فإنّ العبّاس كان من قبل ذلك مسلما ، وإنّما كتم إسلامه ؛ لحكمة كان للّه ورسوله فيها رضى ، وله وللامّة فيها صلاح ( 1 ) .
شرح
( 1 ) قال مفتي الشافعيّة في عصره السيّد أحمد زيني دحلان حيث ذكر العبّاس في غزوة بدر من سيرته النبويّة « 1 » ص 504 من جزئه الأوّل المطبوع في هامش السيرة الحلبيّة نقلا عن المواهب ما هذا لفظه :
وكان العبّاس رضي الله عنه فيما قاله أهل العلم بالتأريخ قد أسلم قديما ، وكان يكتم إسلامه ، وكان يسرّه ما يفتح اللّه على المسلمين ، وكان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يطلعه على أسراره حين كان بمكّة ، وكان يحضر مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم حين كان يعرض نفسه على القبائل ، وكان يحثّهم ويحرّضهم على مناصرته ، كما تقدّم ذلك في حضوره بيعة العقبة التي كانت مع الأنصار ، فهذا كلّه يدلّ على إسلامه .
- قال : - وكان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أمره بالمقام بمكّة ؛ ليكتب له أسرار قريش وأخبارهم ، ولمّا أرادت قريش الخروج إلى بدر واستنفرت الناس ، لم يمكنه التخلّف عنها ، ولهذا قال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر : « من لقي العبّاس فلا يقتله ؛ فإنّه خرج مستكرها » .
- قال : - ولا ينافي ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم لمّا طلب منه الفداء : « ظاهر أمرك أنّك كنت علينا » ؛ لأنّ كونه عليهم في الظاهر لا ينافي كونه مكرها في الباطن ، وإنّما عامله النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بظاهر حاله ؛ تطييبا لقلوب الصحابة ، حيث فعل مثل ذلك بآبائهم وأبنائهم وعشائرهم .
- قال : - وكان للعبّاس مال وديون في قريش وكان يخشى إن أظهر إسلامه ضياعها عندهم ، فكان يخفي إسلامه بإذن من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، ولم يظهر النبيّ للصحابة إسلام عمّه ؛ رفقا به ؛ وخوفا على ضياع ماله .
هامش
( 1 ) - . السيرة النبويّة للدحلاني 402 : 1 - 403 .