شرح
الأخبار أن التحري يجزي لا أنه يجب بحيث لو صلى لأربع وجوه وحصل الغيم
فعل حراما ، ففي الصورة الخاصة أيضا مجرد الإجزاء والاجتهاد عندهم حجة مثل
اليقين ، ولما كان النص بالإجزاء إنما صدر منهم صلى الله عليهم فلعله رأى
المصلحة في تركه والتصريح بما ذكر في الجواب لأنه في صدد الجواب عن
اعتراض العامة . ولعل وجه المصلحة أنهم صلى الله عليهم ما كان يعجبهم إظهار
أنهم شرع وأن نصهم نص الشارع عند أمثال هؤلاء العامة . ثم إنه دام ظله استشعر
بأن الرواية احتجوا بها للمشهور من وجوب الصلاة إلى الأربع عند فقد العلم
والظن إن كان الوقت واسعا فقال : فإن قلت : الرواية قد خرجت عن الحجية لأن
المأمور به فيها لا قائل به ومحل النزاع لم يأمر به ، قلت : إطباق السماء أعم من
التمكن من الاجتهاد وعدمه . وقوله " سواء في الاجتهاد " يعني إذا تمكنا
فقوله ( عليه السلام ) " إذا كان ذلك فليصل إلى أربع وجوه " يعني إذا كان مطلق الإطباق لا
بشرط الاجتهاد إذ يصير حينئذ فيه حزازة ، لأن المعنى أنه تجب الصلاة إلى جهة
بشرط الظن بعدم كونها قبلة لو لم يظن بكونها قبلة أو بشرط التمكن من الظن بعدم
كونها قبلة ، وفيه ما فيه ، لأنه مع الظن بالعدم لو كان واجبا فمع الاحتمال بطريق
أولى فكيف وأن لا يكون مساويا ، إنتهى فتأمل وعبارته غير نقية من الغلط .
وقال في " الوافي " : في هذا الاعتراض من المخالفين دلالة واضحة على عدم
جواز الاجتهاد عند الإمامية ، وجوابه أن هذا ليس اجتهادا في الحكم الشرعي
وإنما هو اجتهاد فيما يتبع الحكم الشرعي وهو جائز عند الجميع ، إلا أن
الإمام ( عليه السلام ) عدل عن هذا الجواب إلى جواب آخر لمصلحة رآها وإرشادا
لأصحابه إلى المجادلة بالتي هي أحسن ، فقال : أنا لا نضطر قط إلى الاجتهاد في
أمر ، لأن لنا أن نأخذ بالاحتياط في كل ما اشتبه حكمه وإن جاز لنا الاجتهاد فيه
إذا لم يكن حكما شرعيا . قال : وبهذا يحصل التوفيق بين الأخبار في هذا المقام ( 1 ) .
وقال في " الذكرى " : هذه الرواية معتضدة بالعمل من عظماء الأصحاب
هامش
( 1 ) الوافي : في القبلة ج 7 ص 550 ذيل ح 6569 .