ثم عدّد تعالى نعمه في دار الدنيا فقال : * ( أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى ) * ومعناه تقريره على نعم الله حين مات أبوه وبقي يتيماً فآواه ، بأن سخّر له عبد المطلب أولاً ، ولما مات عبد المطلب آواه إلى أبي طالب وسخّره للاشفاق عليه والحنين إلى حفظه ومراعاته ( 1 ) .
وقوله : * ( وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى ) * قيل في معناه أقوال : أحدها : وجدك لا تعرف الحقّ فهداك إليه ، بأن نصب لك الأدلّة ، وأرشدك إليها ، حتى عرفت الحقّ ، وذلك من نعم الله . وثانيها : وجدك ضالاً عمّا أنت عليه الآن من النبوة والشريعة فهداك اليهما . وثالثها : وجدك في قوم ضُلاّل ، أي فكأنّك واحد منهم . ورابعها : ووجدك مضلولاً عنك فهدى الخلق إلى الإقرار بنبوتك والاعتراف بصدقك ، فجعل ضالاً بمعنى مضلول ، كما قيل : ماء دافق بمعنى مدفوق وسر كاتم بمعنى مكتوم . وخامسها : أنّه لما هاجر إلى المدينة ضلّ في الطريق وضلّ دليله ، فأرشدهم الله إلى الطريق الواضح حتى وصلوا ( 2 ) . فإذا قيل : السورة مكية أمكن أن يقال : انّ المراد بذلك الاستقبال والإعلام له أنّه يكون هذا على وجه البشارة له به ، ولم يكن ضلالة معصية ، لأنّه ليس ذهاباً عمّا كلّف ( 3 ) .