وفي ذلك دلالة على فساد مذهب المجبّرة في القضاء والقدر ، لأنّه لو كان الله تعالى قضى المعاصي ، لم يكن لأحد الخيرة ولوجب عليه الوفاء به ، ومن خالف في ذلك كان عاصياً ، وذلك خلاف الإجماع ( 1 ) . ثم خاطب النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فقال : واذكر يا محمّد حين * ( تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ ) * يعني : بالهداية إلى الإيمان * ( وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ ) * بالعتق * ( أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ ) * أي : احبسها ولا تطلّقها ، لأنّ زيداً جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم مخاصماً زوجته بنت جحش على أن يطلّقها ، فوعظه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال له : لا تطلّقها وأمسكها * ( وَاتَّقِ اللَّهَ ) * في مفارقتها * ( وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ ) * فالذي أخفى في نفسه أنّه إن طلّقها زيد تزوّجها ، وخشي من إظهار هذا للناس ( 2 ) . وكان الله تعالى أمره أن يتزوّجها إذا طلّقها زيد ، فقال الله تعالى له : إن تركت إظهار هذا خشية الناس ، فترك إضماره خشية الله أحق وأولى ( 3 ) . وقال الحسن : معناه وتخشى عيب الناس ( 4 ) . وروي عن عائشة أنّها قالت : لو كتم رسول الله شيئاً من الوحي لكتم * ( وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ ) * ( 5 ) . وقيل : انّ زيداً لما جاء مخاصماً زوجته ، فرآها النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاستحسنها وتمنّى أن يفارقها زيد حتى يتزوّجها فكتم .
المنتخب من تفسير القرآن والنكت المستخرجة من كتاب التبيان ( موسوعة إبن إدريس الحلي ) — صفحة 26
مساهمون: ابن إدريس الحلي
ص٢٦
هامش
( 1 ) - نفس المصدر .
( 2 ) - قارن 8 : 344 .
( 3 ) - نفس المصدر .
( 4 ) - نفس المصدر .
( 5 ) - قارن 8 : 344 .