القادر لنفسه الّذي ليس بجسم ولا عرض ، إذ جميع ذلك محدَث ، ولا بدّ له من محدِث ليس بمحدَث ، لاستحالة التسلسل .
وأما * ( اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ) * فيدلاّن على عالم مدبّر من جهة أنّه فعل محكم متقن ، واقع على نظام واحد ، وترتيب واحد ، لا يدخل شيئاً من ذلك تفاوت ولا اختلاف .
وأما * ( الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ ) * فتدلّ على منعم دبّر ذلك لمنافع خلقه ، ليس من جنس البشر ، ولا من قبيل الأجسام ، لأنّ الأجسام يتعذّر عليها فعل ذلك .
وأما الماء الّذي ينزل من السماء ، فيدلّ على منعم به يقدر على التصريف فيما يشاء من الأمور ، لا يعجزه شيء .
وأما إحياء الأرض بعد موتها فيدل على الانعام بما يحتاج إليه العباد ، وإحياؤها إخراج النبات منها وأنواع الثمار .
* ( وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ ) * دالّ على أنّ لها صانعاً مخالفاً لها ، منعماً بأنواع النعم * ( وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ ) * يدلّ على الاقتدار على ما لا يتأتى من العباد ولو حرصوا كل الحرص ، واجتهدوا كل الاجتهاد ، لأنّه إذا ذهبت جنوباً مثلاً ، فاجتمع جميع الخلق على أن يقلبوها شمالاً أو صباً أو دبوراً ، لما قدروا على ذلك ، ولا تمكنوا على ردّه من الجهة التي يجيئ منها .
وأما * ( السَّحَابِ الْمُسَخَّرِ ) * فيدلّ على أنّه يمسكه القديم ، والّذي لا شبه له ولا نظير ، لأنّه لا يقدر على تسكين الأجسام الثقال بغير علاقة ولا دعامة إلا الله تعالى ، وكذلك لا يقدر على تسكين الأرض كذلك إلا القادر لنفسه ، فهي تدلّ
المنتخب من تفسير القرآن والنكت المستخرجة من كتاب التبيان ( موسوعة إبن إدريس الحلي ) — صفحة 31
مساهمون: ابن إدريس الحلي
ص٣١