وفي أصحابنا من حرّم بعشر رضعات ، ومتى دخل بين الرضاع رضاع امرأة أخرى بطل حكم ما تقدّم ( 1 ) . وحرّم الشافعي بخمس رضعات ولم يعتبر التوالي ، وحرّم أبو حنيفة بقليله وكثيره ، وهو اختيار البلخي ، وفي أصحابنا من ذهب إليه ( 2 ) . واللبن عندنا للفحل ، ومعناه إذا أرضعت امرأة بلبن فحل لها صبياناً كثيرين من أمهات شتى ، فإنّهم بأجمعهم يصيرون أولاد الفحل ويحرمون على جميع أولاده الذين ينسبون إليه ولادة ورضاعاً ، ويحرمون على أولاد المرضعة الذين ولدتهم ( 3 ) . فأما من أرضعته بلبن غير هذا الفحل ، فإنّهم لا يحرمون عليهم ( 4 ) . وكذلك إن كان للرجل امرأتان فأرضعتا صبيين لأجنبيين ، حرم التناكح بين الصبيّين ، وخالف في هذه ابن علية ( 5 ) .
هامش
( 1 ) - نفس المصدر .
( 2 ) - نفس المصدر .
( 3 ) - نفس المصدر .
( 4 ) - قارن 3 : 161 .
( 5 ) - نفس المصدر .
( فتيا عجيبة وغريبة ) فللمطارفة إنّ البخاري صاحب الصحيح كان يفتي بنشر حرمة الرضاع بين الصبيين إذا شربا لبن بهيمة ، قال شمس الدين السرخسي الحنفي في كتاب المبسوط 5 : 139 140 ولو أرضع الصبيان من بهيمة لم يكن ذلك رضاعاً وكان بمنزلة طعام أكلاه من إناء واحد ، ومحمد بن إسماعيل صاحب الأخبار رحمه الله تعالى يقول : يثبت به حرمة الرضاع ، فإنّه دخل بخارى في زمن الشيخ الإمام أبي حفص رحمه الله تعالى وجعل يفتي ، فقال له الشيخ رحمه الله تعالى : لا تفعل ( ( فلست هنالك ، فأبى أن يقبل نصحه حتى استفتي عن هذه المسألة : إذا أرضع صبيّان بلبن شاة ، فأفتى بثبوت الحرمة ، فاجتمعوا وأخرجوه من بخارى بسبب هذه الفتوى .
وقال شمس الدين السرخسي أيضاً في كتاب المبسوط ( 30 : 297 ط افست دار المعرفة بيروت الطبعة الثالثة سنة 1398 ه - ) : ولو أنّ صبيّين شربا من لبن شاة أو بقرة لم تثبت به حرمة الرضاع ، لأنّ الرضاع معتبرٌ بالنسب ، ولا يتحقق النسب بين آدميّ وبين البهائم ، فكذلك لا تثبت حرمة الرضاع بشرب لبن البهائم . وكان محمد بن إسماعيل البخاري صاحب التاريخ ( يقول : تثبت الحرمة ، وهذه المسألة كانت سبب إخراجه من بخارا ، فإنّه قدم بخارا في زمن أبي حفص الكبير ( وجعل يفتي فنهاه أبو حفص ( وقال : لست بأهل له ، فلم ينته ، حتى سئل عن هذه المسألة فأفتى بالحرمة ، فاجتمع الناس وأخرجوه .
ولغرابة هذه الفتيا من البخاري وثبوتها عنه وحفاظاً على مقامه ، ذكرها القفّال الشاشي في حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء في 7 : 376 ط مكتبة الرسالة الحديثة في عمّان بالأردن سنة 1988 ولم يسمه فقال : ولا يثبت التحريم بلبن البهيمة ، وحكي عن بعض السلف أنّه قال : يثبت التحريم بلبنها . . . وعلّق المحقق على ذلك بقوله : في أ ، ج وفي ب ساقطة وليس بصحيح .
أقول : وهذا يعني وجود تعمّد بعض النسّاخ الحذف في المقام ستراً على صاحب الفتيا الغريبة التي لم يفت بها أحد غير البخاري صاحب التاريخ وكتاب الجامع الصحيح ، وليبق كتابه ( أصح كتاب بعد كتاب الله ) .
وقد أشار إلى البخاري وفتياه هذه في الرضاع ابنا قدامة في المغني 9 : 405 ، والشرح الكبير 9 : 205 ، والنووي في المجموع 18 : 223 وكنّوا عنه ببعض السلف حفاظاً عليه لئلا يسقط من برجه العاجي ، لكن ابن نجيم الحنفي المصري صرّح فقال في البحر الرائق 3 : 400 وقد حكي في المبسوط والكشف الكبير أنّ البخاري صاحب الأخبار دخل بخارى وجعل يفتي ، فقال له أبو حفص الكبير : لا تفعل ، فأبى أن يقبل نصيحته حتى استفتي في هذه المسألة ، فأفتى بثبوت الحرمة بين صبيين ارتضعا من ثدي لبن شاة ، تمسكاً بقوله ( : كل صبيّين اجتمعا على ثدي واحد حرم أحدهما على الآخر ، وقد أخطأ لفوات الرأي ، وهو أنّه لم يتأمّل أنّ الحكم متعلّق بالجزئية والبعضية ، فأخرجوه من بخارى .
ثم قال : وفي فتح القدير بعد هذه الحكاية : ومن لم يدقق نظره في مناط الأحكام وحكمها ، كثُر خطؤه وكان ذلك في زمن الشيخ أبي حفص الكبير .