إن قيل : كيف سألت مريم ( عن خلق الولد من غير مسيس مع أنّها لا تنكر ذلك في مقدور الله ؟ قلنا فيه وجهان : أحدهما : أنّها استفهمت أيكون ذلك وهي على حالتها من غير بشر أم على مجرى العادة من بشر ؟ الثاني : أنّ في البشرية التعجب مما خرج عن المعتاد ، فتعجبت من عظم قدرة الله تعالى ، كما يقول القائل عند الآية يراها : ما أعظم الله ( 1 ) .
قوله : * ( كُنْ فَيَكُونُ ) * قيل في معناه قولان : أحدهما : إنّه على جهة المثل ، لأنّ منزلة جميع ما يريد إحداثه من جسم أو عرض كثر ذلك أو قلّ ، فإنّما هو بمنزلة قول القائل ( كُنْ ) في أنّه يكون بغير علاج ، ولا معاناة ، ولا تكلف سبب ، ولا أداة ، ولا شغل ببعض عن بعض ( ولا زيادة عليه ) ( 2 ) . الثاني : إنّ معناه أنّ الله تعالى جعل ( كُنْ ) علامة للملائكة فيما يريد إحداثه لما لها فيه من اللطف والاعتبار ، ويمكن الدلالة على الأمور المقدورة لله ( ( 3 ) . وقول من قال : إنّ قوله ( كُنْ ) سبب للحوادث التي يفعلها الله تعالى ، فاسد من وجوه : أحدها إنّ القادر بقدرة يقدر على أن يفعل من غير سبب ، فالقادر للنفس بذلك أولى .