وإن قال بالثاني ، يلزم ثبات سائر العلوم والإدراكات ، إذ المفروض أنّ قولنا : ليس لنا علم ثابت ، ليس نفياً ثابتاً في جميع الأدوار والأحوال حتى ينتج تغيّر عامّة العلوم وتبدّلها في هذه الأدوار .
وعلى الجملة : انّ هذه النتيجة ، كسائر النتائج التي استنتجها المادّي وليدة ظروفها ، ومحصولة جوّها ، فلو تغيّرت الشرائط ، وانقلب الجوّ الاقتصادي ، أو العلمي مثلًا إلى جوّ آخر ، لانقلب هذا إلى تفكير آخر ، وربّما يتبدّل النفي بالإثبات ، وعلى هذا لا يقام لآراء المادّي وأُصوله واستنتاجاته ، وزن ولا قيمة على وجه الدوام والثبات ، إذ هو يرى التفكيرات الإنسانية ولائد جوّه ، ونتائج محيطه ، فكلّما اعتمد عليه المادّي ، وليد جوّه ، ومولود محيطه ، لو انقلب المحيط ، وتبدّل الجوّ إلى آخر لذهبت أُصول فلسفتها وفروعها ، بنيانها وأساسها عامّة ، بلا استثناء .
هامش
-
واحد ، يتّصل بعضه ببعض يؤثّر بعضه في بعض ، وهذا ما يعبّر عنه بالتأثّر التقابلي أو الارتباط العامّ .
فالموجود المادّي يمكن تحليله على وجهين ، فتارة يلاحظ ويطالع في حال السكون والثبات ، والانقطاع عمّا سواه ، وأُخرى في حال التحرّك والتغيّر ، والارتباط بما ورائه ، والتفكير الصحيح هو أن تطل بنظرك عليه بما له نعوت وأوصاف من التغيّر والحركة والارتباط ، وهذا ما يسمّيه المادّي بالمنطق التحوّلي ( الديالكتيكي ) والمفاهيم الذهنية إنّما تعدّ حدوداً واقعية وتسمّى بالحقائق الذهنية إذا صارت نظير الموجودات الخارجية وانطبقت عليها غاية الانطباق ، واتصفت بأوصافها وصارت متغيّرة متكاملة ، مرتبطة الأجزاء ، مؤثّرة بعضها في بعض وإلّا لما سمح لنا أن نسمّيها حقائق ذهنية .
وما اعمتد عليه المادّي يضاد منطق الإلهيين ومذهبهم في تحليل الأشياء إذ هم لا يزالون ينظرون إلى الحوادث والوقائع بعين الصمود زاعمين جمودها وسكونها ، وانقطاعها عن غيرها .