وزعموا أنّها دعائم فلسفية ، ليست بثابتة ولا مبرهنة ، فإنّ قولهم في النتيجة الثانية ليس عندنا صحيح مطلق ولا غلط مطلق ، يبطل أساس قولهم ، ويصادم نفس بيانهم ، لأنّ قولهم هذا ليس عندنا صحيح مطلق ولا . . . قد أُلقي إلينا بصورة أنّه صحيح مطلق ، وأنّه صادق على وجه الإطلاق ، ولو قال القائل : إنّه قد أُلقي على الوجه الصحيح النسبي ، وأنّه نفي نسبي ، يصير الفساد والتناقض أفحش لأنّه تستلزم أن يكون عامّة الإدراكات غير هذا النفي ، صحيحة مطلقة ، إذ المفروض أنّ سلب الإطلاق عن الباقي سلب نسبي لا مطلق ، ولازم ذلك اتّصاف الباقي بالإطلاق .
والحاصل : أنّ الأمر دائر بين أخذ النتيجة الثانية ( ليس عندنا صحيح مطلق إلخ ) من قبيل الصحيح المطلق ، فيلزم أن يناقض الفرع أصله وتحترق بالثمرة نفس الشجرة وعرقها ، وتصادم النتيجة أصل البرهان ، فإنّ المادّي اعترف في ضمن نفي الصحة الإطلاقية عن الباقي ، بوجود تفكير صحيح
هامش
-
جوابنا عن استدلالهم :
قد أوضحنا فيما تقدم أنّ الصور الذهنية والمفاهيم العلمية أُمور مجرّدة عن المادّة لعدم احتفافها بأحكامها العامّة ، إذ نجد العلوم والمعارف ثابتة بعد مضيّ حقب كثيرة ، مع أنّ الدماغ وما فيه قد تبدّل إلى غيره واستخلف عن أجزائه أشياء أُخر ، ولو كانت الأُمور العلمية عين تلك الأجزاء ، لزم انعدامها وتغيّرها غبّ تغيّر الدماغ وأجزائه .
أضف إلى ذلك : أنّه لو سلّمنا كون الفكر أمراً مادّياً وأنّه لا وجود له وللمفاهيم الذهنية سوى كونه نفس أجزاء المادّة الدماغية ، لكن نقول إنّ تحوّل الطبيعة وتكامل المادة ناموس عام وضروري للطبيعة بأقسامها ، وعليه فالتكامل لا يختصّ بتفكير دون آخر ، بدماغ دون دماغ ، فالانسان بأفراده والذهن بأقسامه ، والمفاهيم بشراشرها ، متحوّلة متكاملة ، متغيّرة من غير فرق بين دماغ المادّي وتفكيره ، والإلهي وتصوّراته ، إذ المفروض كون التكامل قانوناً عامّاً وناموساً مطرداً ، على نحو الجبر والضرورة في ذات الطبيعة ، وليس أمراً اختيارياً